الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تنشغل الشعوب بالفضائح كيف يُسرق المستقبل بهدوء؟

بواسطة azzaman

حين تنشغل الشعوب بالفضائح كيف يُسرق المستقبل بهدوء؟

العلاء صلاح عادل 

 

حين تنشغل الشعوب بالفضائح والجدل اليومي الصاخب، فإن ما يبدو حيويةً في السطح قد يخفي فراغًا خطيرًا في العمق، لأن الضجيج لا يعني بالضرورة وعيًا، وكثرة الكلام لا تعني حضورًا حقيقيًا في صناعة القرار. في اللحظات التي تشتعل فيها المنصات بقصة مثيرة، أو زلة لسان، أو صراع شخصي بين شخصيات عامة، يكون هناك في مكانٍ آخر مسار أكثر هدوءًا وأشد أثرًا يتقدم بثبات: تشريعات تُعدَّل، سياسات تُرسَم، أولويات تُعاد صياغتها، وموارد تُعاد هيكلتها. المستقبل لا يُنتزع من الشعوب عبر مشهد درامي واحد، بل عبر سلسلة طويلة من القرارات الصغيرة التي تمرّ بلا نقاش، وبلا مساءلة، وبلا ضغطٍ مجتمعي حقيقي، لأن الوعي العام مشغول بما هو أسرع استهلاكًا وأسهل تداولًا. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: كلما ازداد تدفق المعلومات، تراجعت القدرة على التركيز، فيتحول المواطن من متابعٍ ناقد إلى مستهلكٍ دائم للانفعال، يلاحق الحدث المثير لا الحدث المؤثر.

هذا الانشغال المستمر يغيّر طبيعة النقاش العام؛ فبدل أن تدور الحوارات حول جودة التعليم، وفرص العمل، والبنى التحتية، وإدارة الثروات، ومستوى الخدمات، تتحول المساحة العامة إلى ساحة استعراض عاطفي سريع الاشتعال وسريع الانطفاء. القضايا الجوهرية تحتاج صبرًا وفهمًا وسياقًا وأرقامًا، بينما الفضائح تقدم قصة جاهزة، أبطالًا وخصومًا، وإثارة فورية. ومع الوقت، تتشكل ثقافة عامة تميل إلى السطح، تنجذب إلى الشخصنة بدل السياسات، وإلى الصراع بدل الحلول، وإلى اللحظة بدل المسار. في هذه البيئة، يصبح تمرير القرارات الكبيرة أسهل، ليس لأن الشعوب موافقة، بل لأنها مشتتة، منهكة ذهنيًا، وغير قادرة على تتبع ما يجري خارج دائرة الضوء الإعلامي.

سرقة المستقبل لا تحتاج إلى سرقة الحاضر علنًا، بل إلى إضعاف أدوات الحماية المجتمعية تدريجيًا: تراجع دور النقاش الجاد، ضعف الرقابة الشعبية، غياب المتابعة المستمرة، وتطبيع اللامبالاة تجاه ما يبدو “معقدًا” أو “غير جذاب”. قرار اقتصادي لا يُناقش اليوم قد يتحول بعد سنوات إلى عبء ثقيل، وإهمال التعليم قد لا يظهر أثره فورًا، لكنه ينعكس جيلًا أقل قدرة على المنافسة، وسياسة قصيرة النظر في إدارة الموارد قد تبدو مريحة الآن، لكنها تخلق أزمات لاحقًا. هذه التحولات لا تملك جاذبية “الترند”، لكنها ترسم ملامح الحياة اليومية للأجيال القادمة.

الإعلام يقف في قلب هذه المعادلة، فهو القادر على توجيه الضوء إما نحو القضايا المصيرية أو نحو التفاصيل المثيرة، غير أن المشهد الإعلامي نفسه يتأثر بالطلب الجماهيري وسرعة المنصات الرقمية التي تكافئ المحتوى السريع الانفعال. ومع ذلك، تبقى المسؤولية مشتركة؛ فكل مشاركة وتعليق ومشاهدة تعزز نوعًا معينًا من الخطاب. الجمهور ليس ضحية خالصة، بل شريك في تشكيل البيئة التي يتلقى منها معلوماته. حين يطالب الناس بتحليل أعمق، ويمنحون اهتمامهم لما يمس حياتهم فعليًا، تتغير أولويات التغطية تدريجيًا.

اليقظة المجتمعية لا تعني تجاهل الفضائح أو التقليل من شأن المحاسبة، بل تعني وضعها في حجمها الصحيح، وعدم السماح لها بابتلاع المساحة كلها. المطلوب هو القدرة على طرح السؤال الدائم: ما الذي يحدث بعيدًا عن العناوين الصاخبة؟ ما الملفات التي لا تحظى بالنقاش الكافي؟ من يستفيد من انشغالنا الدائم بما هو طارئ؟ الشعوب التي تحافظ على هذا النوع من الوعي لا تُخدع بسهولة ببريق اللحظة، لأنها تدرك أن أخطر التحولات لا تأتي وهي تصرخ، بل وهي تمشي بهدوء في الظل، وأن حماية المستقبل تبدأ من إدارة الانتباه بقدر ما تبدأ من إدارة الموارد. الضجيج قد يملأ اليوم، لكن الصمت المصحوب بقرارات غير مرئية هو الذي يحدد شكل الغد.

 


مشاهدات 79
أضيف 2026/01/31 - 4:14 PM
آخر تحديث 2026/02/01 - 5:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 180 الشهر 180 الكلي 13931824
الوقت الآن
الأحد 2026/2/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير