الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما بعد الغُربة

بواسطة azzaman

ما بعد الغُربة

فراس عبد الحسين

 

    يمشي بخطوات حذرة بين سلع وبضائع بسيطة افترشها الباعة على الرصيف أمام المارة، وجوههم متعبة يكسوها حزن عتيق، أكوام نفايات تنشر الذباب والروائح الكريهة مكدسة قرب أعمدة كهرباء صدئة معلق عليها رايات وصور شهداء ماتوا في حروب متعددة. تحول السوق الى مقبرة بعد أن اتشح كل شيء بالسواد فيه.

    أي حزن غريب تحمله شوارع المدينة غير المعبدة التي تطفح منها مياه آسنة وهي تحتضن طوابير مركبات وعربات تجرها الحيوانات. تذكر هدير محركات بعض السيارات عندما كان يصدر لحناً متناغماً مع عزف حذوات الخيول وهي تضرب الاسفلت بتعاقب متوازن بين فترات صمت ونغم كأنه يشهد عزف فرقة موسيقية.

     نزل من الباص مقابل الدرب الترابي الضيق الذي بقي على حاله كأنه خارج لعبة الزمن، دخلت رائحة الماء والطين والقصب أنفه وأيقظت في روحه ذكريات قديمة. ذلك الصفاء والهدوء المطبق إلا من صوت تكسر التربة السبخة تحت قدميه وصيحات ديك الحجل البعيدة، وهفهفة الطيور عندما تطير قبل وصوله.

    بقيت السماء فوق غابة النخيل صافية تزينها بعض قطع غيوم متناثرة، كان يتخيلها كرات غزل بنات كبيرة تشبه التي يبيعها "فاضل الطويل" يسمع صوته من بعيد وهو يصيح شعر بنات.. شعر بنات. فيركض ليخطف من جزدان جدته قطعة نقود معدنية، وينتظره بباب البستان حتى يصل على ظهر دراجة هوائية قديمة حائلة اللون بهيكلها الصدئ.

    يمشي على ذلك الدرب الملتوي مثل أفعى بجانب أطلال طوف يعلو الأرض بقليل لا يحجب النظر عن بساتين مقفرة كأنها مدافن، بعد أن تحولت الأشجار الوارفة المثمرة الى هياكل حطبية مكسرة الأطراف تغطيها عباءات من نسيج العناكب، ونخلات بجذوع ضعيفة متأكلة منكسه قممها للأرض يغطي رأسها كومة سعف يابس مثل نساء ثكالى اجتمعن في مأتم.

كانت تقف متباهية بشموخ وعنفوان وهي تستعرض جمال مفاتنها من عثوق تمر يغطيها السعف على حياء، كأنها فتاة بجسد ممشوق وصدر ممتلئ ينسدل فوقه شعر طويل تتطاير خصلاته مع نسمات الريح.

    كان سور البساتين طوف من الطين يحتضن خلفه جنان أرضية من أشجار مشمش وبرتقال وليمون تتدلى بأغصانها من فوقه. تملأه تشققات عريضة وكوات تدخل منها الكلاب السائبة والثعالب، تسمح بدخول جسده وبقية أطفال القرية بعد عودتهم من السباحة في النهر وقت الظهيرة، ليأكلوا ما تشتهي الأنفس من ثمار حتى تتخم بطونهم، وتكون خاتمه المغامرة حزينة تذرف فيها دموع كثيرة نتيجة ضربات عصا الفلاح أبو كاظم الموجعة والتي غالباً ما تصيب مؤخرة آخرهم حسن السمين لصعوبة هروبه من فتحة الطوف الضيقة، يبقى ينحب بعدها لساعات وهم يحاولون إسكاته بإعطائه ثمار البرتقال من حصصهم، كان يصرخ ويأكل بنهم غريب فيختلط خيط دموعه بعصير البرتقال المسال من فمه في مشهد بريء يصعب نسيانه.

     أبو كاظم ذلك الفلاح المُجد الذي يقضي طول نهاره يكد في بستانه حتى أصبحت مضرباً للمثل في المنطقة، لما تحويه من أصناف تمور وحمضيات وفواكه نادرة لم نرى مثلها من قبل، يحميها من السُرّاق والأطفال المشاغبين أمثالنا ليل نهار. ترى هل تم تجريف اشجارها مثل بقية البساتين!

    رأى من بعيد أشجار صفصاف عالية تصطف على حافة النهر بسيقان رشيقة، داعبت أوراقها نسمات ريح بعد اقترابه فأصدرت حفيفاً كأنها تصفق فرحاً بعودته. كانت مياه النهر صافية عميقة مثل نبع سلسبيل تسقي مئات البساتين، تتراقص في قاعه شجيرات طحالب تختبئ فيها أسماك صغيرة. تحول اليوم الى ساقية صغيرة ماؤها نتن تفوح منها رائحة كريهة.

    وصل بالقرب من جامع كبير بقبة خضراء، جدرانه من المرمر العاجي، يحوطه سور مرتفع بأساسات عريضة مغطى بالسيراميك والكاشي الكربلائي ومُزيّن بأقواس إسلامية ونقوش مزركشة ببذخ واضح. وقف أمام بابه المفتوح ورأى داخله مصلين متراصين خلف الأمام، نظر للسقف مغطى بالكريستال وآيات قرآنية مكتوبة بماء الذهب. لماذا أصبحت لدور العبادة أسوار عالية؟ ومَن الذي يجرؤ على سرقة بيوت الله!

    لم يكن ذلك المسجد سوى قبة صغيرة مبنية بالطابوق تنتشر على سطحها بقع متناثرة من ذرق الحمام، بابه مفتوح على الدوام بقربه كنيف مبني من الطين تغطي مدخله قطعة غطاء بالي. كانت المساجد صغيرة بسيطة البناء يصلي فيها نفر قليل، أنفق عليها اليوم بترف وكثر عددها فازداد معها التفكك والفساد في المجتمع.

     واصل المشي في الدرب حتى وصل ساحة كان يلعب بها كرة القدم مع بقية أطفال القرية. أرض بور ملحية واسعة، كانت تغطي سماؤها غمامة كثيفة من التراب اثناء المباراة. يلعب اليوم فيها بعض الصبية ويتجمع على حدودها البقية ورؤوسهم تنظر للسماء باتجاه الشارع العام، يمسكون بأيديهم خيوط تربط طائرات ورقية، بعضها قريب والأخرى محلقة بكبد السماء. هم يشبهون الذين كانوا يتجمعون امام شباك شقته في الساحة العامة الخضراء بجانب البحيرة، يلعبون بطائرات ورقية مع ذويهم بمرح، فالأطفال متشابهون في جميع الأمكنة.

    شاهد من بين فتحات سور سعف النخيل، امرأة تسحب أثداء ضرع بقرة وتجمع الحليب في دلو صغير وبجانبها عجل مربوط للوتد ينتظر دوره للحصول على حصته في نهاية العملية. تذكر طعم الحليب واللبن الرائب الذي كانت تصنعه أمه، يختلف كتيراً عما كان يشربه في الغُربة.

    فقدت أجواء تلك البساتين نقائها وصفاء صمتها بعد أن انتشرت أبواب كثيرة لبيوت عشوائية متلاصقة، وكأنه يمشي في دروب أحد احياء المدينة قبل ان تلوح له باب بستانهم العريض من بعيد، أبيض كالح صدئ، انتشرت فوقه تصدعات وثقوب بأحجام مختلفة تمت معالجتها على عجل، فالتحسينات البسيطة والألوان الباهتة لم تغير من ملامحه الكثير. أنتبه الى عمود الكهرباء بجانبها وشاهد على سطحه ثقوب شظايا القنابل. أيعقل أن نار الحروب المتعاقبة التي خاضها البلد قد وصل تأثيرها لهذه المنطقة النائية!

    حاول إزاحة عشرات السنين من الفراق، الوحدة، والحنين من عقله. سنوات مُرّة كانت تمر أيامها ثقيلة، بالرغم من عيشه في دولة تحترم حقوق الأنسان بين شعب متنوع الإشكال والاعراق، لكنه لم يستطع التكيف معهم وبقي يشعر بذاته وكأنه غريب عن المجتمع ويحن الى قريته وكل شيء بسيط فيها، ويتحين الفرص للعودة اليها بأقرب وقت.

    طرق الباب بخوف وقلبه يرتجف من لقاء جاء بعد غُربة طويلة، بعض اشخاص يعرفهم أو بات لا يعرفهم، وآخرين غرباء قد ولدوا بعد رحيله. وجد الباب موارباً كما كان في السابق، دفعه بيده ودلف.

    نظر لمكان شجرة التوت بمدخل البستان قرب الساقية، كانت تحتضن العائلة تحت أغصانها وقت العصر جالسين على بسط منسوجة من خيوط قطع قماش ملونة يحركون الهواء بمراوح يدوية مصنوعة من سعف النخيل، وموقد يعانق قوري مسود من دخان الحطب، تصطف قربه استكانات تحتوي السكر. أي يد مجرمة وناكرة للجميل تمكنت من قطع الشجرة! ولم يبقٍ منها سوى جذع ميت يعلو الأرض بقليل يذكر بوجودها ويعيد لحظات جميلة باتت منسية.

    كان درب البستان مستقيم تتوزع على جانبيه شجيرات ورد جوري تتفجر بالعطر والألوان في فصل الربيع. اختفت وأنتشر مكانها الشوك والعاقول والقصب وأكوام نفايات يفوح منها العفن.

    بيوت متناثرة بفوضى غريبة حيطانها من البلوك تتخللها خيوط بيضاء من الجص، تكسو جدرانها لافتات سود مطبوع عليها وصور الائمة وشعارات دينية بخطوط مذهبة. يتوسطها بيت قديم بقي على حاله، حيطانه كالحة تتوغل فيها شقوق عريضة مثل تجاعيد احتلت وجه شيخ هرم مكوّر على نفسه بهيبة ووقار بين احفاده.

   توضح أخاه جالساً على حصيرة وسط الباحة يرتدي ثوب أسود بزيق مفتوح وبيده مسبحة، تغطي وجهه لحيه بيضاء كثيفة غير مشذبه، نهض متفاجئاً مثل مصدوم بعد رؤيته واحتضنه بقوة، عينان صفراوان غائرتان وسط محجريها تفيضان بالدموع، لا يعلم أن كان يبكي فرحاً بعودته ام من تأثير الدعاء الذي كان يستمع له من جهاز الموبايل بقربه!

    ذلك الأخ الأكبر الذي كان يقرأ كثيراً ويحب العزف على العود منذ صغره، يهوى الحياة بشغف ويعشق السهر واللهو والاستماع لأغاني طربية وحفظها عن ظهر قلب. كيف غيرته الأيام وأصبح بهذا الشكل؟

    هرع لاستقباله الكثير، فتيان، أطفال، نساء. يوحد بين زيهم السواد. وجوه بملامح مختلفة ونظرات استغراب مَن ذلك الشخص الغريب القادم من بلاد بعيدة. عاد يبحث عن طريقة عيش يفتقدها ويحن اليها لكنه لم يجدها! هل عليه تغييرهم ام التكيف معهم للاستمرار والبقاء. لكنه يكره التكيف وفشل بتجربته هناك. سأل نفسه وهو يحتضنهم، هل بقيت نفوسهم طيبة وبريئة مثلما كانت؟ ام تلوثت واصبحت فاسدة مثل مياه النهر. لكن حتى الماء الملوث يمكن أن يعود نقياً بعد تصفيته وإزاله الشوائب والبكتريا الضارة منه!


مشاهدات 58
الكاتب فراس عبد الحسين
أضيف 2026/03/17 - 12:39 AM
آخر تحديث 2026/03/17 - 1:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 14091 الكلي 15006160
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير