ضمائر مستترة
عقيل إسماعيل علي
في زمنٍ تتقاذفه أمواج المصالح المادية، وتتآكل فيه القيم الإنسانية تحت وطأة الاستغلال، تبرز قصصٌ تجسد الصراع الأبدي بين نقاء السريرة وخبث التعامل. إن عبارة «اتقِ شر من أحسنت إليه» لم تأتِ من فراغ، بل هي صرخة مكتومة في وجه واقعٍ مريربات فيه التلاعب بالعواطف وسيلةً للارتقاء على أكتاف المخلصين، ونجد أنفسنا اليوم أمامظاهرة غياب الضمير التي استشرت كالنار في الهشيم، حيث يرتدي البعض عباءة التقوىوالأخلاق كقناع زائف لتمرير مآربهم الدنيئة، بينما يظل الأوفياء يعملون في صمت خلفالكواليس، بعيداً عن صخب الأضواء وزيف الكاميرات، مدفوعين بوازع مهني وضمير حيّ لايساوم على المبادئ.تتجلى بشاعة هذا المشهد في قصة ذاك الصحفي الذي أفنى عقدين من عمره في خدمةالكلمة والحقيقة، مختاراً الظل مكاناً لإبداعه، والمسؤولية نهجاً لحياته، ورغم خبرته الطويلة،ظل متمسكاً بأخلاقيات المهنة في بيئة يراها قد تخلت عن دورها التنويري لتصبح مجرد أدوات في يد جهات وأفراد. الصدمة الحقيقية لا تأتي من قسوة الظروف، بل من طعنات ذوي القربى ورفاق الدرب؛ فعندما يكتشف المرء أن سنوات المودة والاحترام كانت مجرد غطاء لتعاملات ملتوية، وأن جهده المهني يُسرق ويُبخس ثمنه ممن يدعي الفضيلة، تصبح الخيانة أشد إيلاماً، وإن التمييز المادي السلبي ومحاولة حجب الاستحقاقات بأساليب تفتقر للمروءة، تكشف عن نفوس ضعيفة لا ترى في البشر إلا أدوات لتحقيق الحضور والتميز الشخصي.
إن قرار الانسحاب في لحظة الحاجة الماسة هو قمة الانتصار للذات، فالمال رغم ضرورته في حياة أصحاب الدخل المحدود، يتحول إلى عبء ثقيل و(مرض عضال) إذا كان ثمنه إهدارالكرامة أو الصمت على الظلم.
هؤلاء الذين يختارون الحفاظ على كبريائهم في وجه استبداد أصحاب النفوذ والنفوس الجشعة، هم المنارات الحقيقية في هذا الزمن العابر، إنهم يثبتون أن القيمة الإنسانية لا تُقاسبما تملكه الجيوب، بل بما تحمله الصدور من عزة وأنفة، مؤكدين أن بناء الذات على ركامالخداع سينتهي حتماً بالزوال، بينما يبقى الأثر الطيب والضمير النقي هما الإرث الوحيد الذي لا ينضب.