الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يكتب البارود تاريخ الشرق الأوسط

بواسطة azzaman

حين يكتب البارود تاريخ الشرق الأوسط

مــوفق البيــاتــي

 

في الشرق الاوسط لم يعد التاريخ يكتب بالحبر، بل بالصواريخ. فلقد تغيرت ادوات الكتابة وتبدلت الاقلام. فالحبر الذي كانت تكتبه الدبلوماسية في دفاتر السياسة جف من زمن بعيد وحل محله البارود. اما الرسائل التي كانت تتبادلها الدول عبر السفراء. فقد اصبحت تعبر السماء على شكل صواريخ و مسيرات تحمل في جوفها كلمات اقسى من اي بيان سياسي، واما الصفحات فلم تعد اوراقا في ارشيف الدول، بل خرائط معلقة فوق سماء مكتضة بالصواريخ والطائرات، و في هذه البقعة المضطربة لم تعد الاحداث تدون.. بل تفجر .هكذا يدخل الشرق الاوسط مرحلة جديدة من تأريخه، مرحلة لم تعد فيها السياسة فن المفاوضات بقدر ما اصبحت فن ادارة النار. فكل انفجار في هذه المنطقة لم يعد حادثا عسكريا معزولا، بل سطرا جديدا في كتاب يكتب الان، كتاب لا يكتبه المؤرخون بعد سنوات، بل يكتبه البارود في لحظته.ان الشرق الاوسط يقف اليوم امام لحظة تاريخية لا تشبه ما قبلها، ليس لان الحروب جديدة عليه، فهذه المنطقة عاشت الحوب عقودا طويلة. لكن الجديد ان النار المشتعلة فيها والتي تتصاعد اليوم لا تشبه حرائق الامس. فهي نار تشتعل في زمن تتنازع فيه الامبراطوريات. وتتشابك فيه الحسابات الاستراتيجية حتى يصبح الانفجار العسكري في مكان ما، رسالة سياسية تقرا في عواصم اخرى.

البـــارود صــار لغــة السيـاســة

لم تعد الرسائل بين الدول تكتب في مذكرات دبلوماسية طويلة، و لا تسلم عبر السفراء فالرسائل اليوم اقصر بكثير؛ لكنها اشد قسوة ، فلقد استحالت صاروخا يعبر السماء او طائرة مسيرة تبحث عن هدفها في الظلام. ضربة هنا و رد هناك_ و بين الضربة والرد تكتب فصول جديدة من تاريخ هذا الشرق.

لقد تحولت السياسة هذه الايام شيئا فشيئا الى ما يمكن تسميته دبلوماسية النار و في هذه الدبلوماسية لا يتكلم السياسيون كثيرا، فاللغة الحقيقية هي التي تكتب في السماء المشتعلة نارا قبل ان تقرا ي البيانات، و صاروخ ينطلق من قاعدة بعيدة قد يكون ابلغ من عشرات المؤتمرات الصحفية، و طائرة مسيرة قد تختصر خطابا سياسيا كاملا، فالدبلوماسية في هذه اللحظات تبدو و كأنها تراجعت خطوة الى الخلف، ليتقدم البارود خطوات اطول الى الامام.

غير ان اخطر ما في هذه اللحظة ليس الصواريخ نفسها، بل المنطق الذي يحكمها، فالصراع الذي يتصاعد اليوم في الشرق الاوسط ليس نزاع بين قوتين. و لا مجرد جولات توتر عابرة، بل هو صراع تتقاطع فيه حسابات قوى كبرى وتتشابك فيه خرائط النفوذ.

ضربات محسوية

حتى يصبح هذا الشرق مسرحا واسعا لحرب لا يريد احد ان يعترف بها كاملة، فالقوى الكبرى لا تعلن الحرب لكنها لا تتوقف عن خوضها. انها ضربات محسوبة و ردود محسوبة وتصعيد محسوب بعناية، و الجميع يقترب من الحافة... و الجميع يحاول الاً يسقط ومع ذلك فان التاريخ يذًكرنا دائما، ان الحروب الكبرى لا تبدأ عادة بقرار واضح، بل بسلسلة طويلة من الحسابات التي يضن اصحابها انها تحت السيطرة، الى ان تخرج فجأة عن الطريق ولهذا يبدو الشرق الاوسط اليوم و كأنه يقف على خط رفيع بين مرحلتين ، مرحلة التوتر الذي لايمكن احتواؤه، و مرحلة الانفجار الذي لايمكن ايقافه.

و في زمن الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة لم تعد الحرب تحتاج الى جيوش تتحرك ببطئ عبر الحدود فضغطة زر واحدة قد تكون كافية لتغيير معادلة كاملة.

وخطأ صغير واحد في الحساب قد يفتح بابا لا يستطيع احد اغلاقه، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فكل الاطراف تعلن انها لا تريد حربا شاملة، لكن كل الاطراف تتحرك في مسار قد يقود اليها، الجميع يتحدث عن الردع، لكن الردع نفسه يحتاج الى استعراض القوة، و الجميع يتحدث عن الاستقرار، لكن الاستقرار نفسه اصبح هشا في منطقة تتقاطع فيها الصراعات الدولية والاقليمية.

        ومن هنا يتحول الشرق الاوسط مرة اخرى الى ما قرأنا عنه كثيرا في التاريخ؛ مفترق طرق بين القوى المتصارعة لكن الفرق في الصراعات التي كانت تدار في الماضي خلف الابواب الموصدة، اصبحت اليوم تكتب علنا على وجه السماء، فالصواريخ اتي تعبر الاجواء اليوم ليست مجرد ادوات حرب ، بل عناوين لفصول جديدة ستكتب لاحقا في كتاب المنطقة، كتاب لم يكتبه المؤرخون بعد، لانه يكتب الان.

       واذا كان التاريخ قد علمنا شيئا، هو ان اللحظة التي يكتب فيها التاريخ بالبارود، هي دائما اللحظات التي تتغير فيها الخرائط. فالنار التي تشتعل في السماء لا تحرق المدن وحدها ، انها تحرق ايضا التوازنات القديمة، وتفتح الطريق امام توازنات جديدة.

       ولهذا فأن السؤال الحقيقي الذي يواجه الشرق الاوسط اليوم ليس فقط الى اين يتجه التصعيد ؟ بل هو سؤال اعمق من ذلك بكثير؛ هل نحن امام جولة جديدة من  صراعات المنطقة المعتادة ام امام لحظة يعاد فيها رسم تأريخ الشرق الاوسط نفسه ؟ فحين يبدا البارود في كتابة التاريخ، لا تعود الصفحات كما كانت، وحين تتكلم الصواريخ ، فأن الخرائط نفسها تصبح قابلة لاعادة الرسم. وهكذا يقف الشرق الاوسط اليوم تحت سماء مثقلة بالرسائل المشتعلة في زمن يبدو فيه ان البارود لم يعد مجرد اداة من ادوات الحرب .. بل اصبح وبكل وضوح القلم الذي يكتب به التاريخ.

       غير ان اخطر ما في التاريخ الذي يكتب بالبارود، انه لا يبقى مجرد احداث عابرة، بل يتحول مع الوقت الى خرائط جديدة، ووقائع غير التي نعرف، فالبارود لا يكتب الحروب فقط ، بل انه يعيد التوازنات ، ويغير ملامح الجغرافية السياسية ، ويترك خلفه شرقا اوسطا مختلفا عن ذلك الذي عرفناه .

       ولهذا فأن اللحظة التي يعيشها الشرق الاوسط اليوم ليست مجرد جولة اخرى من التوترات المعتادة ، بل انها بداية فصل جديد في تاريخ المنطقة، فصل قد لايكتب بالحبر في دفاتر الدبلوماسية ، بل بالنار في سماء ما زالت تتوهج فوق خرائط لم تستقر بعد .ذلك ان البارود حين يبدأ في كتابة التاريخ ، لايكتفي بسرد الوقائع فحسب، بل يفتح الطريق ايضا لشرق اوسط جديد لم تتضح ملامحه بعد ، فالتاريخ الذي لا يكتب بالبارود لا يبقي الخرائط كما كانت ، بل يصنع مستقبلا لا يعرف احد رسم حدوده .

 

□ قاض متقاعد

 


مشاهدات 53
الكاتب مــوفق البيــاتــي
أضيف 2026/03/15 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/03/16 - 4:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 212 الشهر 13272 الكلي 15005341
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير