حين يُهدي العريان قميصاً
غفران الغريباوي
هناك في كلِّ صوب ستصادف أولئك المتشدّقين بالماضي ، الذين لا يملّون من إطراء روعته المشبعة بالمجد و التحدّي .
يزعمون أنّهم يفهمون الحياة بعينِ فراسةٍ ترى من ثقب مفتاحٍ لا يُرى ، .. تعرّفتُ إلى بعضٍ منهم و ما زالت تراودني رغبة الحديث عن تلك التجربة ، فقد عرفتُ المزيد عن طباعهم الملولة ، التي تُحدث جلبةً لا تُطاق . و كم تمنّيت لو أجد الكلمات التي تصفهم على نحوٍ مكتمل ، أراهم من ذلك النوع الذي يجثم على صدرك نهارًا ، ولا يفوته التسلّل إلى غرفة نومك ليلًا ، ككائنٍ نقيّ الضمير لا يبخل بمهاراته التوعوية :
«إيّاك أن تحلم و تعبر إلى الجانب الآخر يا صديقي ذلك الجانب الذي عبره أمثالُنا من قبلك و لم يعودوا» .
يقدّم النصيحة التي لا يعرف كيف يطبّقها على نفسه ، ويطارد زمنًا منتصرًا عليه منذ البداية ، عبر طمس رغبات الآخرين وَ تطلّعاتهم .
في نظر هؤلاء بدأت المشكلة قبل خمسةٍ و ثلاثين عامًا .. حين تخلّوا عن طموح السعي ، و عن تلك النجاحات السرّية التي لم تنتهِ معظمها نهاياتٍ سعيدة ، بفعل حصيلة إخفاقاتٍ لا ذنب لهم فيها ، فاضطرّتهم الظروف إلى القبول بأقلّ ممّا يستحقّونه من تقدير .
قدرة فطرية
و أتساءل : من أين تأتي تلك القدرة الفطرية على هذا السرد المملّ في كل مناسبة..؟؟
ففي أعراف القوم كثرة الكلام .. تُفسد يقين الشيء ، كما يُفسد الليل ما تقوله النرجس عن جمالها في الماء ..!!
«لا أنا إلا أنا» .
الخلاصة التي تصل إليها ذاكرتي المشحونة بالحنق ، أنّ ما يقولونه ليس سوى وسيلةٍ لسدّ الفجوة الفوضوية بين أحلامهم ، و هلوســاتهم وجنون رغباتهم الحقيقية ، وذريعةٍ مراوغة للحطّ من الموارد الذاتية للآخرين ، ولا شيء غير ذلك .
و في أعماقي .. لا أترك أذنًا تستسلم لصوتهم ، و من المستحيل أن أسمّي صوتًا كهذا حكمة ، خصوصًا أنّني كنت شاهدًا على ذلك الماضي ، الذي كان مشتتًا و خاويًا إلى حدٍّ كبير .
أميل إلى الإعتقاد بأنّ السمة المميّزة لهؤلاء ليست الشرّ بمعناه الواسع ، بل غباء العقل و الروح .. رغم أنّ الغباء الروحي أعمق أثرًا من الشرّ ذاته .
و مع ذلك فإنّ تصنيف الناس على هذا النحو لعبةٌ سيّئةٌ جدًّاً .. و هل تعرف هذا النوع من البشر .
ينبغي عليك أن تتدرّب على تحرير نفسك ممّا لقّنوك إيّاه ، و ما قالوا إنّه نصيحة ، و هو كلّ شيءٍ إلا النصح .
و هناك مثلٌ أفريقيّ يلخّص ببساطةٍ و سلاسة ، كلّ ما قيل هنا : «أحذر من الشخص العاري إذا قدّم لك قميصًا» ..!!