الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصنع الفساد أثرياء السلطة 

بواسطة azzaman

حين يصنع الفساد أثرياء السلطة 

كامل كريم الدليمي

 

الفساد ليس مجرد ظاهرة عابرة في العراق، بل أصبح آفة مستشرية في جسد الدولة والمجتمع، حتى بات واحداً من أخطر التحديات التي تهدد حاضر البلاد ومستقبلها. ففي ظل ديمقراطية مشوهة افتقدت في كثير من مفاصلها إلى الرقابة الفاعلة والمحاسبة الحقيقية، نشأت طبقة من المنتفعين الذين حولوا السلطة إلى وسيلة للإثراء، والمناصب إلى بوابات لنهب المال العام.

 

وخلال سنوات قليلة، ظهر على الساحة رجال أعمال وقادة وزعامات لم يكن لهم أثر يذكر في الحياة الاقتصادية أو السياسية، ولم يعرفهم الناس إلا فجأة وهم يمتلكون القصور والشركات والأرصدة الضخمة. وكأنهم خرجوا من العدم ليصبحوا أصحاب نفوذ وسلطة وثروة، بينما بقي ملايين العراقيين يواجهون الفقر والبطالة وتردي الخدمات الأساسية. امتلأت جيوب هؤلاء بالأموال التي أفرزتها شبكات الفساد، في الوقت الذي ازدادت فيه معاناة العوائل العراقية التي تنتظر أبسط حقوقها في العيش الكريم.

 

لقد صنع الفساد إمبراطوريات ورقية تقوم على المحاصصة والصفقات والمصالح الضيقة، لا على الإنتاج والعمل والإنجاز. إمبراطوريات تفتقر إلى الجذور الوطنية الحقيقية، ولا تحمل في وجدانها معنى الانتماء للوطن أو الشعور بمعاناة المواطن. فبينما تتضخم ثروات الفاسدين، تتآكل أحلام الشباب، وتتراجع فرص التنمية، وتُهدر الموارد التي كان من الممكن أن تُحدث تحولاً حقيقياً في حياة الناس.

 

وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أن بعض الفاسدين يحاولون الظهور بمظهر الوطنيين والمدافعين عن حقوق الشعب، في الوقت الذي كانت فيه ممارساتهم سبباً مباشراً في تعطيل المشاريع وتبديد الأموال العامة وإضعاف مؤسسات الدولة. فالوطن بالنسبة لهم لم يكن مشروعاً للبناء والإعمار، بل ساحة لتقاسم الغنائم وتوسيع النفوذ وتحقيق المكاسب الشخصية.

 

إن أخطر ما يتركه الفساد ليس الخسائر المالية فحسب، بل تدمير الثقة بين المواطن والدولة، وإشاعة الإحباط واليأس في نفوس الأجيال الجديدة. فعندما يرى المواطن أن الفاسد يزداد ثراءً ونفوذاً بينما يعاني الشريف والكفوء من التهميش، تتعرض منظومة القيم الوطنية والأخلاقية للاهتزاز، ويصبح الإيمان بالعدالة أكثر صعوبة.

 

ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائماً ما دامت هناك مؤسسات دستورية وقضائية قادرة على أداء دورها في حماية المال العام وصيانة حقوق المواطنين. فمواجهة الفساد لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل من خلال سلطة القانون وتطبيقه بعدالة وحزم على الجميع دون استثناء. فالدول القوية لا تُبنى على التسويات مع الفاسدين، وإنما على مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

 

ومن هنا تتجه أنظار العراقيين إلى مجلس القضاء الأعلى وإلى رئيسه السيد فائق زيدان، باعتبار القضاء الحصن الأخير للعدالة والجهة القادرة على كشف الحقائق وفتح ملفات الفساد الكبرى ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق الأطر القانونية والدستورية. فالمواطن يتطلع إلى خطوات أكثر جرأة في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وإرساء مبدأ المساواة أمام القانون، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو نفوذ شخصي.

إن استعادة ثقة الشعب بالدولة تبدأ عندما يرى أن القانون أقوى من الفساد، وأن المال العام مصان، وأن من يعتدي على حقوق العراقيين سيجد نفسه أمام العدالة مهما طال الزمن. فالعراق لا تنقصه الثروات ولا الكفاءات ولا الإمكانات، بل يحتاج إلى إرادة صادقة ومؤسسات قوية وعدالة حازمة تقتلع جذور الفساد وتجعل من النزاهة معياراً للعمل العام.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تنتصر دولة القانون على دولة المصالح، وأن يكون المستقبل للعراق الذي يحكمه العدل وتكافؤ الفرص، لا للعابثين بثرواته ومقدرات شعبه. فعندما ينتصر القانون، ينتصر الوطن، ويستعيد العراقيون ثقتهم بدولتهم وقيادتهم .

 

 


مشاهدات 50
الكاتب كامل كريم الدليمي
أضيف 2026/06/01 - 3:49 PM
آخر تحديث 2026/06/02 - 12:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 95 الشهر 1091 الكلي 15876572
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير