الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح العطاء معنى للحياة

بواسطة azzaman

حين يصبح العطاء معنى للحياة

عماد يوسف خورشيد

 

العطاء قيمة إنسانية تحملها النفوس النقية، وتتجلى مفهومه في المبادرة إلى تقديم الخير للآخرين، سواء بالمال أو الوقت أو الجهد أو الكلمة الطيبة، رغبةً في إسعادهم بصدق ونقاء، مع حفظ حقوقهم وحرياتهم، ومساعدتهم على تجاوز أعباء الحياة المختلفة، على أن يكون ذلك كله دون انتظار مقابل أو منفعة.

ونحاول في السطور الآتية تقديم نموذجين من الواقع تتجسد فيهما قيمة العطاء؛ أحدهما لشخص بسيط لا يقرأ ولا يكتب، والآخر لعالم وفقيه، ليجتمع المفهوم النظري مع التطبيق العملي في صورة واحدة.

النموذج الأول: في إحدى المدن، ومن بين بيوتها الأثرية التي أخرجت أجيالًا، وتوارثت فيها القيم؛ تزوجت فتاة في أربعينيات القرن العشرين من رجل كاسب، وأنجبت خمس بنات وثلاثة بنين، وانشغلت بتربيتهم ورعايتهم حتى كبروا وتزوجوا، حتى قاربت الخامسة والسبعين من عمرها.

وتغير الحال والأحوال؛ فأصبح زوجها يومًا يذهب إلى محله، ويومًا لا يذهب، لأن أولاده يعملون في ذات الحرفة. وبدأ الطعام يوضع أمامهما بكل توقير وتقدير، وتلبى احتياجاتهما، واستمر الحال على هذا المنوال إلى حين.

وكما هو معلوم أن دوام الحال من المحال، توفي الزوج عام 2015، وحزن كل من عرفه لطيب نفسه وهدوئها، رحمه الله. قالت المرأة، وهي طاعنة في السن: «أشعر أنني لا أستطيع بعد الآن أن أضيف شيئًا إلى الحياة، فلم يعد لي نفع لمن حولي!». قال أولادها: «أنت كل الخير والبركة، ونحن في خدمتك». ثم قالت: «نعم، ولكن طوال الظروف التي مررت بها في تربيتكم، ورعايتكم، إلى أن أصبحتم رجالًا ونساء، كنت أشعر أن لوجودي معنى. أما الآن، وقد أصبحت لا أستطيع أن أقدم شيئًا، وبعد أن أصبح الطعام يوضع أمامي، بعد أن كنت أحضره لسنوات وأطعمكم، فإنني أشعر أنني أصبحت في ضعف ليس بعده قوة. وهنا ظرف الحال يصدق قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) سورة الروم (54). ثم، قالت: "أدعو الله أن يكون في مماتي خير لي». وبعد وفاة زوجها بعدة أشهر، انتقلت إلى رحمة الله. فكانت رحمها الله ترى أن وجودها فيما تقدمه من نفع لمن حولها، وبعد أن وهن العظم أحست بتوقف هذا العطاء، وأن بقاءها دون ذلك لا معنى له.

 

أما النموذج الثاني، فهو لعالم وفقيه قانوني، هو الأستاذ الدكتور عصمت عبد المجيد بكر، نبراس القانون المدني، تولد عام 1945 (حفظه الله)، وقد تجلت قيمة العطاء في سطور سردها جنابه الكريم يتكلم عن نفسه في كتابه «دروس من الحياة»، دار هاتريك للنشر والتوزيع، 2026، ص 17، وجاء فيها: "كثيرًا ما أُسأل، أما زلت تكتب! من أناس أغلبهم من طبقات مثقفة وحاملة لشهادات علمية عالية، المفروض أنها تكتب وتعيش مع الكتابة، فأجيب عليهم بأن الفيلسوف الفرنسي (رينيه ديكارت) قال: (أنا أفكر إذن أنا موجود)، وأنا العبد الفقير إلى الله أقول: أنا أكتب إذن أنا موجود، وأتمنى أن أواصل الكتابة إلى آخر لحظة في حياتي، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويجف الحبر في القلم، وتطوى الصحف، وأصبح في خبر كان. فالكتابة عندي تعني الحياة، وهي تمنحني شهادة الحياة، ولا قيمة للحياة بدونها، وهي أفضل وسيلة للبقاء مع الفكر والتفكير والتأمل، بدلًا من قضاء الوقت في القيل والقال والغيبة والنميمة". فيرى القراءة والكتابة وما ينتج عنه من توجيه ونفع لطلبة والمجتمع عطاءً فيه روح الحياة.

وتأسيسًا على ما تقدّم، فالإنسان السوي يشعر بقيمته وإنسانيته عندما يقدّم أو يضيف شيئًا إلى الحياة، سواء أكان متعلّمًا أم غير متعلّم، فكلٌّ يعمل بحسب موقعه في الحياة ليساعد من حوله ويمدّ لهم يد العون. ولكن عندما يتوقف عن ذلك، فقد يشعر بأنه كالميت؛ فقيمة العطاء هي مفتاح السعادة، وهي أسمى أشكال شكر النعمة للخالق سبحانه وتعالى، من خلال الجوارح.

فكم من شباب أُصيبوا بحالات نفسية بسبب عدم تنمية هذه القيمة في حياتهم من قبل والديهم، أو المربين، وهم في ذروة قوتهم، والمفروض أن يكونوا في أوج عطائهم. وكم من أسر تشتت أفرادها بعد الطلاق بسبب عدم فهمهم أن الزواج قائم على غايتين: العطاء لإدارة الحياة المشتركة، والنسل. وإحصائيات الطلاق الشهرية شاهدة على ذلك. وكم من مشكلات وجرائم حدثت بسبب عدم ملء الفراغ بالعطاء، وميادين المحاكم شاهدة على ذلك. وكم من شاب يحرق وقته في الملهيات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا يضيف في يومه شيئًا من الخير إلى نفسه أو إلى من حوله.

إذن، ولأهمية قيمة العطاء لا بد من تنميتها في المدارس والجامعات، ولدى أهل المهن والحرف والوظائف في مؤسسات الدولة عند تقديم الخدمات للناس وفيما بينهم، وفي دور الإذاعة الرئيسية، من خلال البرامج الهادفة؛ لما لذلك من دور في تفعيل قيمة العطاء وتعزيز استقرار الأسرة والمجتمع.

 

الجامعة التقنية الشمالية/ كركوك

 


مشاهدات 173
الكاتب عماد يوسف خورشيد
أضيف 2026/08/09 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 4:56 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 836 الشهر 10612 الكلي 16100316
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير