الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العدالة التي يراها الناس.. علنية محاكمات الفساد بين حق المعرفة وقرينة البراءة

بواسطة azzaman

العدالة التي يراها الناس.. علنية محاكمات الفساد بين حق المعرفة وقرينة البراءة

فاضل عبد الزهرة الغراوي

 

لا يسرق الفساد المال العام وحده. إنه يسرق ثقة المواطن بالدولة، ويزرع في وعيه اعتقادًا أشد خطرًا من الجريمة نفسها: أن القانون يصل إلى الضعفاء، ويتوقف عند أبواب النافذين.

لهذا لا تنتهي مكافحة الفساد بإلقاء القبض على متهم، ولا تكتمل بإعلان صدور حكم مقتضب. فالمجتمع الذي وقع عليه الضرر يحتاج إلى أن يرى كيف تحركت العدالة، وكيف فُحصت الأدلة، وكيف مُكّن المتهم من الدفاع عن نفسه، وكيف بنت المحكمة حكمها بعيدًا عن الضغوط السياسية والحملات الإعلامية.

هنا تكتسب علنية محاكمات الفساد قيمتها. إنها تجعل العدالة مرئية، وتمنح المواطن فرصة الاطمئنان إلى أن المال العام تحميه مؤسسات تعمل تحت ضوء القانون.

الحق في عدالة مرئية

أقرّ الدستور العراقي في المادة (19/سابعًا) أن جلسات المحاكم علنية، إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية. وأكد قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل هذا الأصل في المادة (152)، حين نص على علنية جلسات المحاكمة، وأجاز سريتها كلها أو بعضها لاعتبارات تتصل بالأمن أو الآداب.

ويضع هذا التنظيم قاعدة واضحة: العلنية هي الأصل، والسرية استثناء تقرره المحكمة لضرورة يقدرها القانون. فالقضاء لا يؤدي وظيفته باسم طرفي الدعوى وحدهما؛ إنه يمارس سلطة عامة باسم المجتمع، ومن حق هذا المجتمع أن يطمئن إلى سلامة الإجراءات ونزاهة الأحكام.

ويتفق ذلك مع المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي كفلت الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، مع السماح باستبعاد الجمهور في حالات استثنائية محددة.

أما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، فقد جعلت الشفافية والمساءلة ومشاركة المجتمع واستقلال القضاء أجزاء مترابطة من منظومة الوقاية من الفساد ومكافحته. ولا تفرض الاتفاقية نقل المحاكمات إعلاميًا، لكنها تضع الأساس الذي يجعل انفتاح العدالة على المجتمع مكوّنًا مهمًا في بناء الثقة وسيادة القانون.

المجتمع هو المتضرر الأكبر

تختلف جريمة الفساد عن كثير من الجرائم في اتساع دائرة ضحاياها. فالمال المختلس من خزينة الدولة قد يظهر مدرسةً لم تُبنَ، أو دواءً لم يصل، أو طريقًا ظل محفوفًا بالموت، أو فرصة عمل ضاعت من شاب ينتظر مكانه في وطنه.

لذلك تمثل محاكمة المعتدي على المال العام شأنًا مجتمعيًا، من دون أن تفقد طبيعتها القضائية. وحين يعرف المواطن مسار الدعوى، والأدلة التي عُرضت، والدفوع التي نوقشت، والأساس القانوني الذي استند إليه الحكم، تتحول المحاكمة إلى رسالة مؤسسية مؤداها أن الدولة لا تكتفي بإعلان الحرب على الفساد، وإنما تُخضع المتهمين به لقانون واحد وقضاء مستقل.

وتحد العلنية المنضبطة من الشائعات التي تحيط بالقضايا الكبرى. فغياب المعلومة القضائية يترك فراغًا تملؤه التسريبات، ويتحول الاتهام إلى حقيقة في نظر بعض الناس، أو إلى مؤامرة سياسية في نظر آخرين. وبين الروايتين تضيع الحقيقة التي ينبغي أن تتكلم من داخل المحكمة.

العلنية ليست محاكمةً على الهواء

مع ذلك، لا تعني علنية الجلسات فتح أبواب البث بلا ضابط، ولا تحويل قاعة المحكمة إلى استوديو، ولا تقديم المتهم إلى الجمهور بوصفه مدانًا قبل صدور حكم بات.

فالدستور العراقي نفسه يقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة. وهذه الضمانة لا تقل أهمية عن حق المجتمع في المعرفة. كما أن استقلال القضاء يقتضي حماية القاضي والشهود والمحامين من ضغط الرأي العام، وصون الأدلة السرية والبيانات الشخصية وسلامة التحقيقات المرتبطة بالقضية.

ثمة فارق كبير بين العلنية القضائية والمحاكمة الإعلامية. الأولى تكشف إجراءات العدالة ضمن القانون، أما الثانية فقد تصنع حكمها من عنوان مثير أو تسريب ناقص أو مقطع مبتور. الأولى تحمي ثقة المجتمع بالقضاء، والثانية قد تضع القضاء تحت ضغط جمهور كوّن قناعته قبل أن يسمع الدفاع.

الحضور الاعلامي

من هنا، ينبغي أن يبقى قرار توسيع الحضور الإعلامي أو السماح بتسجيل الجلسات ونقلها بيد المحكمة، عبر قرار مسبب يراعي طبيعة القضية، ومرحلة المحاكمة، وسلامة الشهود، وقرينة البراءة، وحقوق الدفاع. وقد يكون نشر ملخصات رسمية دقيقة، وإتاحة منطوق الأحكام وأسبابها بعد تنقيح البيانات المحمية، أكثر خدمة للعدالة من بث مباشر غير منضبط.

من علنية القاعة إلى شفافية المؤسسة

لا يحتاج العراق إلى شعار جديد بقدر حاجته إلى إطار قانوني وإجرائي واضح ينظم التغطية الإعلامية للقضايا ذات الاهتمام العام. ويمكن لهذا الإطار أن يحدد قواعد اعتماد الصحفيين، والتصوير والتسجيل، وحماية هوية الشهود والمبلغين، ومنع نشر ما يؤثر في سلامة الدعوى، مع إلزام الجهات القضائية بتوفير معلومات رسمية منتظمة تمنع التضليل من دون التدخل في عمل المحاكم.

كما تستطيع السلطة القضائية إنشاء نافذة معلومات متخصصة بقضايا الفساد الكبرى، تنشر المواعيد والقرارات والأحكام النهائية وأسبابها القانونية، ضمن الحدود التي تحمي التحقيق والحقوق الشخصية. وبهذا تنتقل العلنية من قدرة عدد محدود من الناس على دخول القاعة إلى قدرة المجتمع على الوصول إلى حقيقة قضائية موثوقة.

إن الدولة التي تحاكم الفاسدين تحقق العدالة، والدولة التي تجعل العدالة مفهومة ومرئية تبني الثقة. وبين العدالة والثقة تتأسس هيبة القانون. فالمال العام لا يحتاج إلى قضاء مستقل فحسب؛ يحتاج أيضًا إلى مجتمع يرى استقلاله، ويفهم أحكامه، ويطمئن إلى أن الأبواب التي أُغلقت طويلًا أمام الحقيقة قد فُتحت أخيرًا بضوء القانون.


مشاهدات 47
الكاتب فاضل عبد الزهرة الغراوي
أضيف 2026/08/08 - 2:27 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 3:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 175 الشهر 7767 الكلي 16097471
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير