ما بعد تشرين الثاني.. معركة السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس
محمد علي الحيدري
السؤال الأكثر أهمية في انتخابات التجديد النصفي الأميركية ليس فقط أي الحزبين سيفوز بمجلس النواب أو مجلس الشيوخ، بل ماذا سيحدث لنظام الحكم نفسه إذا خرجت واشنطن من الانتخابات ببيت أبيض جمهوري وكونغرس تسيطر المعارضة على أحد مجلسيه أو كليهما.
ذلك السؤال يكتسب أهمية استثنائية في عهد دونالد ترامب، لأن الصراع الدائر في واشنطن تجاوز الخلاف التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى جدل أعمق حول حدود السلطة الرئاسية، ودور الكونغرس، واستقلال المؤسسات، وموقع القضاء في رسم الخط الفاصل بين السلطات.
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أظهر ترامب ميلاً واضحاً إلى توسيع المجال التنفيذي للرئاسة، مستفيداً من الأوامر التنفيذية والصلاحيات الفيدرالية الواسعة لإحداث تغييرات يصعب أحياناً تمريرها بالسرعة نفسها عبر الكونغرس. وفي المقابل، تحولت المحاكم بصورة متزايدة إلى الساحة التي تختبر فيها حدود هذه السلطة.
تعيينات قضائية
والصراع حول قواعد التصويت يقدم نموذجاً بالغ الدلالة. فالخلاف بشأن الاقتراع بالبريد وصلاحيات الحكومة الفيدرالية والولايات لم يعد مجرد مسألة تقنية تتعلق ببطاقات انتخابية، بل أصبح جزءاً من سؤال دستوري قديم ومتجدد: أين تنتهي سلطة الرئيس، وأين تبدأ صلاحيات الولايات والكونغرس في إدارة الانتخابات؟
وهذا هو السياق الذي يجعل انتخابات نوفمبر مختلفة عن مجرد سباق على المقاعد.
إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، فسيحصلون فوراً على أدوات مؤسسية مهمة: رئاسة اللجان، سلطة الاستدعاء والتحقيق، الرقابة على الإدارة، التأثير في الموازنة، والقدرة على تعطيل جانب من الأجندة التشريعية للبيت الأبيض. وإذا امتدت سيطرتهم إلى مجلس الشيوخ، فسيصبح الصراع أشد تعقيداً بسبب الدور الذي يؤديه المجلس في المصادقة على التعيينات القضائية والتنفيذية وغيرها من الملفات.
لكن امتلاك الكونغرس لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الرئاسة.
هذه واحدة من المفارقات التي قد تحدد النصف الثاني من ولاية ترامب. فالنظام السياسي الأميركي قام على مبدأ الفصل بين السلطات، لكنه لم يبنِ جدراناً صلبة بينها بقدر ما أنشأ شبكة من الضوابط المتبادلة. الرئيس يستطيع تعطيل التشريعات باستخدام الفيتو، والكونغرس يستطيع التحكم في الإنفاق والتشريع والرقابة، والمحاكم تستطيع إبطال قرارات تتعارض مع الدستور أو القانون.
ومن هنا فإن حكومة منقسمة بعد نوفمبر قد لا تنتج عودة بسيطة إلى “التوازن”، وإنما سلسلة طويلة من المواجهات بين المؤسسات.
وحتى إذا حقق الديمقراطيون مكاسب كبيرة، فإن ذلك لا يعني تلقائياً أنهم سيتمكنون من تقييد سلطة ترامب بالدرجة التي يتوقعها خصومه. فالرئاسة الأميركية الحديثة راكمت، عبر إدارات متعاقبة من الحزبين، مجالاً واسعاً من الصلاحيات التنفيذية، وترامب أظهر استعداداً أكبر من كثير من أسلافه لاختبار الحدود القصوى لذلك المجال.
المشكلة إذن أوسع من ترامب نفسه. فالولايات المتحدة تواجه منذ سنوات سؤالاً مؤسساتياً يتعلق بتضخم الرئاسة مقابل تراجع قدرة الكونغرس على ممارسة دوره التقليدي. وقد ساهم الاستقطاب الحزبي في تعميق المشكلة، لأن أعضاء الكونغرس أصبحوا في كثير من الأحيان أكثر استعداداً للدفاع عن توسيع سلطة الرئيس عندما يكون من حزبهم، ثم الاعتراض عليها عندما ينتقل البيت الأبيض إلى الحزب الآخر.
وهكذا يتحول الخلاف الدستوري إلى خلاف حزبي.
إذا جاء نوفمبر بكونغرس منقسم سياسياً عن البيت الأبيض، فقد نشهد عودة قوية للرقابة والتحقيقات، وربما مواجهات بشأن الإنفاق والهجرة والسياسة الخارجية والرسوم الجمركية واستخدام الصلاحيات الطارئة.
وقد تنتقل نسبة متزايدة من هذه النزاعات إلى المحاكم، ما يمنح القضاء - والمحكمة العليا خصوصاً - دوراً سياسياً ودستورياً أكثر حساسية.
لكن السيناريو المعاكس لا يقل أهمية. فإذا احتفظ الجمهوريون بمجلسي الكونغرس، فإن ترامب سيحصل على ما يمكن اعتباره تفويضاً سياسياً جديداً لمواصلة مشروعه خلال العامين الأخيرين من ولايته، وسيكون من الصعب على خصومه الادعاء بأن الناخبين رفضوا الاتجاه الذي اتخذته الرئاسة.
عندها ستتحول الأنظار سريعاً إلى سؤال آخر: ماذا يبقى من “الترامبية” بعد ترامب، ومن يستطيع وراثتها في انتخابات 2028؟ وهو نقاش بدأ يتشكل بالفعل داخل الحزب الجمهوري، مع بروز نائب الرئيس جي دي فانس بوصفه أحد أبرز الأسماء المحتملة لحمل هذا الإرث السياسي إلى المرحلة التالية.
لذلك فإن انتخابات نوفمبر لا تحدد فقط من يملك الأغلبية في الكابيتول. إنها قد تحدد أيضاً طبيعة العامين الأخيرين من رئاسة ترامب، وحدود قدرة الكونغرس على موازنة البيت الأبيض، والدور الذي سيضطلع به القضاء عندما تعجز السلطتان السياسية والتشريعية عن تسوية خلافاتهما.
وفي خلفية ذلك كله يقف سؤال أكبر من الانتخابات ومن الرئيس نفسه: هل ما تزال منظومة الضوابط والتوازنات الأميركية قادرة على أداء وظيفتها في عصر الاستقطاب الحاد، أم أن المؤسسات التي صُممت لكي يراقب بعضها بعضاً أصبحت تعمل وفق قاعدة أبسط وأكثر خطورة - أن كل حزب يقبل قوة السلطة حين تكون في يده، ويكتشف مخاطرها فقط حين تنتقل إلى خصمه؟