الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رياح الشقيف

بواسطة azzaman

رياح الشقيف

صلاح بكر 

 

تتواصل العواصف العسكريه في سماء لبنان، حاملة معها تداعيات خطيرة تنذر بتغيير المشهد الجيوسياسي في المنطقه ، وفي خضم هذه التطورات ، تقف قلعة الشقيف التاريخية شاهداً صامتاً على فصول جديدة من صراع يبدو أنه لم يطوي صفحاته بعد ، فمع إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته على هذه القلعة الاستراتيجية في جنوب لبنان ، تبرز تساؤلات ملحة حول الأهداف الحقيقية وراء هذا التصعيد الميداني ، ومآلات الترتيبات الأمنية والدبلوماسية المتعثرة.

 

السيطرة على الشقيف: رسائل استراتيجية ونفسية

 

يمثل التوغل الإسرائيلي الأخير ، والذي يعد الأعمق منذ أكثر من ربع قرن، محاولة واضحة لإعادة رسم خريطة النفوذ في جنوب لبنان ، ويرى المراقبون العسكريون أن سيطرة إسرائيل على قلعة الشقيف تتجاوز البعد التكتيكي لتلامس أهدافاً استراتيجية ونفسية عميقة ، فمن الناحية العسكريه ، يوفر هذا الموقع الجغرافي الحاكم قدرة استثنائية على المراقبة والتحكم بخطوط الإمداد والحركة في أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني ، ومن الناحية النفسية ، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تصوير هذا التقدم كـ (تحول حاسم) يهدف إلى محو آثار الانتكاسات العسكرية التي واجهها الجيش الإسرائيلي في حرب عام 2006 لا سيما في معارك وادي الحجير ووادي السلوقي.

 

وتسعى إسرائيل من خلال هذه العمليات إلى فرض حزام أمني موسع شمال نهر الليطاني، بهدف حماية مستوطناتها الشمالية من الهجمات المتكررة. غير أن هذا التقدم يصطدم بتحديات جغرافية معقدة وتكتيكات حرب عصابات متمرسة.

 

تكتيكات الرد والغياب الرسمي

 

في المقابل لا يبدو أن السيطرة الإسرائيلية على مواقع محددة قد شلت قدرات "حزب الله" العملياتية ، فالحزب يعتمد تكتيكات لا مركزية لا ترتبط بالدفاع عن نقاط جغرافية ثابتة ، بل تركز على استنزاف القوات المتقدمة باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة ، وقد أسفرت هذه الاستراتيجية عن استمرار الهجمات المؤثرة ضد الآليات والتجمعات العسكرية الاسرائيلية ، مما يعقد مهمة إسرائيل في تحويل تقدمها التكتيكي إلى إنجاز استراتيجي مستدام.

 

وسط هذا المشهد المعقد ، يبرز التساؤل حول دور الحكومة اللبنانية ، فعلى الرغم من مشاركة وفد عسكري لبناني رفيع المستوى في محادثات امنية مباشرة مع الجانب الاسرائيلي في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الا أن الدور السياسي للحكومة اللبنانية يبدو مقيداً بتعقيدات الداخل وتوازنات القوى ، وتتركز المطالب الإسرائيلية في هذه المحادثات على ضرورة أن تباشر الدولة اللبنانية فوراً في عملية نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب يثير جدلاً واسعاً ويواجه عقبات سياسية وميدانية هائلة.

 

الدبلوماسية الدولية: تحركات فرنسية وآمال معلقة

 

أمام هذا التصعيد الخطير ، تحركت الدبلوماسية الدولية لمحاولة احتواء الموقف ، وقد برز الدور الفرنسي بوضوح ، حيث طلب وزير الخارجيه الفرنسي جان نويل بارو عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لبحث التطورات المتسارعة في لبنان ، وتهدف هذه الدعوة إلى بحث سبل وقف التصعيد العسكري وحماية المدنيين، إضافة إلى مناقشة الإجراءات الممكنة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

غير أن قدرة مجلس الأمن على حل هذه الأزمة تبدو محل شك. فالتاريخ يشهد على أن القرارات الأممية غالباً ما تصطدم بحسابات الدول الكبرى وحق النقض (الفيتو)، مما يحد من فاعليتها على الأرض. وفي ظل انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة ، يبقى الرهان على مدى جدية الأطراف الفاعلة في تغليب لغة العقل على أصوات المدافع.

 

تقف المنطقة على شفا هاوية ، حيث تتشابك خيوط الصراع الميداني مع التعقيدات الدبلوماسية ، وتبقى قلعة الشقيف بصخورها العتيقة شاهداً على أن التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة ، وأن السلام المنشود لا يزال حلماً بعيد المنال في ظل استمرار لغة السلاح.


مشاهدات 48
الكاتب صلاح بكر 
أضيف 2026/06/01 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/06/02 - 12:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 95 الشهر 1091 الكلي 15876572
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير