الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الذكرى العاشرة لإستشهاد أسد الصقلاوية

بواسطة azzaman

الذكرى العاشرة لإستشهاد أسد الصقلاوية

حسين باجي الغزي

 

ما زال شارباه خيطين رفيعين، ودماء الشباب تتدفق في وجنتيه، حينما انتصب أمامي قائلاً:

(عمي... سأقدم إلى الكلية العسكرية).

حينها ارتسمت أمام عيني صورته وهو مضرّج بالدماء وتحمله الأكف، وأصوات ملائكية تصدح في عتمة الليل:

لا إله إلا الله... الشهيد حبيب الله.

نبوءتي لم تخب وأنا أقول له:

(مسار، ستموت؛ فشلال الدم في العراق لا يزال يتدفق غزيراً منذ فجر الأرض، وإن حروب هذه البلاد لن تتوقف).

في عصر 1-6-2016، والقوات العراقية تتقدم باتجاه قاطع الصقلاوية لاقتحام ساترها، كان مسار يحمل رشاشته ويتقدم ثلةً من جنوده للنفاذ من ثغرة فتحها البلدوزر، والذي استشهد سائقه أمام أعينهم بنيران قناص داع… شي غادر.

هبّ متسلحاً بغيرة العراقيين الأصلاء، ومستذكراً أمجاد وبطولات جده باجي الغزي، بطل معركة السفحة في ثورة ريسان عام 1936، فاندفع كالأسد الهصور، عازماً على أن يكون أول من تكتحل عيناه بأرض الصقلاوية، مقبلاً ترابها لتحريرها من الأراذل الأنجاس. لكن سهم الموت كان إليه أسرع، فسقط من صهوة جواد الوطن الذبيح ليصافح خده ترابه الغالي، ويتلاقى الذبيحان مكللين بأكاليل الغار، وعيناه إلى السماء ترنوان... معاتباً واهب الحياة وبارئها.

ارتقى شهيدنا ولم يسقط، ارتقى ويده على الزناد، ورائحة التراب تعطر كفوفه، وإلى جواره سقط جهاز الاتصال ومنه قائده يصيح:

(مسار... نقيب مسار... لا تمُت).

رحل مسار كما يرحل النادرون... فهم أعمارهم قصيرة، بينما تطول أعمار الأراذل... لكن كفانا أن نجمةً في السماء لمعت، مسجلةً لأولاد باجي وسام عز وفخار.

مشهد جنائزي

أطلقت عليه القيادة العامة لقب أسد الصقلاوية كونه أول ضابط يسقط شهيداً في اقتحامها، وخرج أهالي الزبير الأوفياء في مشهد جنائزي مهيب حاملين نعشه على الأكف، يطوفون بجثمانه الطاهر شوارعها وأزقتها إلى ساعات متأخرة من الليل. والآن وأنت تدخل إلى الزبير تجد صورة الشهيد مسار باجي تزين مداخلها، وفاءً واستذكاراً لهذا البطل.

لِمَ كُتب على العراقيين أن يموتوا وهم في ربيع العمر؟ ولِمَ كُتب عليهم أن يُزفّوا إلى قبورهم بدلاً من أن يُزفّوا كالعرسان؟

رحل مسار ولم يتزوج، وكان حلمه أن يذهب بيد (س) نحو السماء بصورة البطل المنتصر... رحل وضحكاته تملأ أسماعنا وأبصارنا، متندراً من أن الموت يخشى الشجعان.

ولم يبقَ في بيت مسار سوى أنين أم مكلومة، وصورته باسماً تتربع في قلوب أهله ومحبيه، صورةً لن تمحوها السنون، ولن تغير ملامحها الدهور. فقد أوقد الرجال الأشاوس من أمثاله شعلة الحرية والانتصار، وهو شرف كبير وقدر عظيم أن نقف وننحني إجلالاً وإكباراً أمام عظمتكم أيها الشهداء، وأنتم ترتقون كالشهب إلى السماء.

فسلامي المفعم بشذى أريج الأقحوان، ومسك العنبر، ورائحة الريحان إلى روحك الطاهرة وضجعائك عشاق الشهادة، أصحاب الدماء الزكية التي فاضت من شرايينهم وتدفقت من أوردتهم لتروي ثرى العراق الطاهر.

السلام عليكم أيها الشهداء الصالحون الأبرار، وأنتم في فردوس النعيم خالدون فيها إلى أبد الآبدين بإذن الله.

 


مشاهدات 56
الكاتب حسين باجي الغزي
أضيف 2026/06/01 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/06/02 - 12:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 1092 الكلي 15876573
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير