العالم اليوم .. حين يعود نيرون الجديد
محمد خضير الانباري
أرسلَ إلى أحدِ أصدقائي منْ المتخصصينَ في الشأنِ السياسي، مقالاً، يتناولَ فيهِ مجرياتُ الأحداثِ المتوقعةِ بينَ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ وإيران، وانعكاساتها على المتغيراتِ في المنطقة، وقدْ صيغَ على هيئةِ قصيدةٍ حرةٍ قريبةٍ في روحها وأسلوبها منْ قصيدةِ الشاعرِ الراحلِ بدرْ شاكرْ السيابْ( المويسْ العمياءَ ) كاشفا عنْ تذمره من المرأةِ ، ثمَ تخليهِ عنها، واصفها ببائعةَ جسدٍ بعدَ سقوطِ المثالِ في حبهِ لـــــ ( وفيقة) ابنة عمهِ بعدَ أنْ تزوجت، فقرأتهُ بتمعن، لما قدْ تشهدهُ منطقتنا في المستقبلِ منْ تحولات. قبلَ كلِ شيء، لا بدَ منْ التأكيدِ على حقيقةٍ راسخة، وهيَ أنَ علمَ الغيب، لا يعلمهُ إلا الله- سبحانهُ وتعالى- وحده، كما جاءَ في قولهِ سبحانهُ وتعالى: (قل لا يعلمُ منْ في السماواتِ والأرضِ الغيبَ إلا الله) سورةَ النمل: الآيةُ 65.
أعادتني هذهِ المقالة، بذاكرتي إلى عامِ 2007، في ذروةِ الطائفيةِ والقتلِ والتهجيرِ التي عصفتْ ببلدنا العزيز- حفظهُ اللهوحماهُ منْ كلِ سوءِ- ففي تلكَ الفترة، جرى إيفادنا، أنا وعددِ منْ ممثلي الوزاراتِ إلى كوريا الجنوبيةِ لمدةِ أسبوعين، ضمنَ فريقِ ضمِ مجموعةٍ منْ الحقوقيين، للاطلاعِ على التجربةِ الكوريةِ الجنوبيةِ في المجالِ القضائي. كنتَ حينها ممثلاً عنْ وزارتي، كما توليتُ مهمةُ الترجمةِ للفريق، اعتمادا على ما امتلكهُ منْ مفرداتٍ في اللغةِ الإنجليزية. ترأسَ الوفد، عقيدا في وزارةِ الداخلية، منْ إحدى محافظاتنا الجنوبية، ولا يحضرني اسمهُ الآن، وخلال أحدِ اللقاءات، وجهَ أحدُ القضاةِ الكوريين، سؤالاً إلى رئيسِ الوفدِ عنْ الوضعِ في العراق، كانَ في حينها، المشهدُ في العراق، أشبهَ بجلبةٍ منْ الأصوات؛ الجميعَ يصرخ، ويؤكدَ أنهُ على حق. عندها التفتَ إلى السيدِ العقيد، وشبكَ أصابعَ يديهِ ببعضها، وقالَ لي: قولُ لهم: (مليوصة) ، توقفتْ برهة، مترددا: كيفَ يمكنُ ترجمةَ هذهِ الكلمة؟ وبعدٌ لحظةِ صمت، قلتُ لهمْ مبتسما ( BAD)، ثمَ سارعتْ إلى قلبِ الحديث، وطرحتْ سؤالاً مضادا: ما هيَ مبادئُ حقوقِ الإنسانِ في القانونِ الكوري؟ هروبا منْ إجابةٍ لا تختصرها الكلمات، ولا تنقلها الترجمة.
نيرون الجديد
إنَ ما يحصلُ في العالمِ اليوم، قريبا لواقعنا آنذاك، ونحنُ نتابعُ تخبطٌ (نيرونْ الجديد) في عبثيته؛ رجل انتقلَ منْ عالمِ اللهوِ والانحرافِ والمالِ إلى رئاسةٍ أقوى دولةٍ في العالم، انتخبهُ شعبهُ ليحميهُ ويوفرَ لهُ العيشُ الكريم، لا أن يتجاوزَ القانونُ الدولي. هكذا يبدو المشهدُ اليوم: أوروبا في غرفةِ الإنعاشِ تبحثُ عنْ مرساها، إفريقيا تتخبطُ في انقلاباتٍ متتالية، والأمريكيتانِ غارقتانِ في سكرِ المخدرات، ليلهما كنهارهما، والخليجُ منشغلٌ بكرةِ القدمِ أكثرَ منْ مصيرِ الأمة، بينما تتوزعُ همومَ العربِ الآخرين؛ منْ اليمنِ إلى السودانِ وسوريا في صراعات داخلية، ومصرَ والأردنِ والصومالِ وتونسَ والجزائرِ على لقمةِ خبزٍ تستجدي بها لشعوبها. والمغرب، في همهِ الأولِ والأخير، الفوزُ بكأسِ أفريقيا ، بعدَ كأسِ العرب. وفلسطينُ لمْ يبقَ لها سوى اسمها الجديدِ (أمُ الشهداءِ ) ، ولها ربٌ لا يغفلُ عنْ شعبها.
وفي دولةٍ عزيزةٍ على القلب، اسمها بلاد الرافدين، ينحصرَ همْ ساستها على الكرسي: منْ يحكم، بأيِ تكتلٍ أوْ قوميةٍ أوْ طائفةٍ أوْ عشيرة، لا مكان للخبرةِ أوْ الكفاءة، فقدْ صارتْ كلماتٌ منسية. فقدْ أصبحَ الاستحقاقُ الانتخابيُ مقدسا، والكرسيُ أولاً وأخيرا، حتى ولوْ عادَ العظماءُ أوْ بعثَ الحكماءُ ما اقتربوا منه. . . وبينَ كلُ هذا، يقفَ الفقيرُ إلى اللهِ رافعا يديهِ ليلَ نهار، ينتظرَ الفرج، هكذا هوَ العالمُ اليوم يسير نحو المجهول...!