مقامرة الحسم.. أهداف ترامب ونتنياهو بالحرب على إيران ومواجهة إعصار النفط العالمي
راجي العوادي*
تتشابك المصالح والرهانات في المواجهة الحالية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى ، لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط ، تتجاوز مجرد العمليات العسكرية الموضعية إلى محاولة إعادة صياغة جيوسياسية شاملة للمنطقة , ففي قلب عملية الغضب الملحمي التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب مطلع عام 2026، تبرز الرغبة في الحسم النهائي لملفات استعصت على الحل الدبلوماسي لعقود ، حيث لم يعد الهدف مجرد احتواء الطموح النووي الإيراني ، بل تفكيك البنية التحتية التي تمنح النظام القدرة على المناورة الاستراتيجية.
تبدو اهداف ترامب مزيجاً من العقيدة الأمنية والبراغماتية الاقتصادية ؛ فهو يسعى إلى تجريد إيران تماماً من قدراتها الصاروخية والنووية لضمان أمن المصالح الأمريكية وحلفائها ، مع طموح مضمر في دفع النظام نحو الانهيار الداخلي عبر استغلال السخط الشعبي والضغط العسكري المركز, فهو يرى في هذه الحرب فرصة لفرض استسلام غير مشروط يعيد دمج إيران في المنظومة الدولية وفق شروط واشنطن ، أو استبدالها بنظام جديد ينهي تهديد الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز، مما يساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية وتعزيز مشروعه للسلام الإقليمي .
أما بنيامين نتنياهو، فيرى في هذا الصراع لحظة تاريخية انتظرها طويلاً لتحقيق هدفه الأسمى هو تغير النظام , فهو لا يكتفي بتعطيل المفاعلات النووية ، بل يطمح إلى تقويض محور المقاومة من جذوره ، عبر شل قدرة طهران على تمويل وتسليح أذرعها الإقليمية التي يعتبرها التهديد الوجودي الأول لإسرائيل .
إن التركيز الإسرائيلي ينصب على إحداث فراغ سياسي وأمني في طهران يؤدي إلى تغيير جذري في هوية الدولة ، بما يضمن خروج إيران تماماً من معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي ، وتحويلها من لاعب إقليمي مهيمن إلى دولة منشغلة لملمة جراحها الداخلية.
وعلى الرغم من هذا التناغم الظاهري ، تظل الأهداف محفوفة بضبابية سياسية؛ فبينما يميل ترامب إلى الحسم السريع وتجنب الغرق في فيتنام جديدة ، يبدو نتنياهو أكثر استعداداً للمضي في حرب استنزاف طويلة تضمن زوال التهديد الإيراني للأبد هذه المقامرة الكبرى تضع المنطقة أمام خيارين , إما ولادة نظام إقليمي جديد تهيمن عليه القوة الأمريكية-الإسرائيلية ، أو الانزلاق نحو فوضى شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها .
في ظل التحولات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة ، يبرز التوتر الإقليمي كلاعب أساسي في إعادة صياغة خريطة الطاقة العالمية ، حيث لم تعد الاستراتيجيات المتبعة مجرد مناورات دبلوماسية بل تحولت إلى محركات مباشرة لتقلبات الأسواق . تبدو ردود الفعل الإقليمية اليوم مزيجاً من الحذر الاستراتيجي والسعي لتنويع المسارات ، إذ نجد دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات ، تتحرك للحفاظ على توازن دقيق بين الالتزام باتفاقيات أوبك وضمان أمن الإمدادات عبر تطوير بدائل لوجستية تتجاوز النقاط الجيوسياسية الساخنة مثل مضيق هرمز، وهو ما يعكس رغبة حثيثة في تحييد الاقتصاد عن الصراعات المباشرة, وفي المقابل، تتبنى إيران استراتيجية هجومية في التصريحات تهدف إلى رفع علاوة المخاطر في الأسعار، مما يضع المستوردين الكبار في آسيا، وتحديداً الصين والهند، في موقف حرج يضطرهم للبحث عن صفقات ثنائية طويلة الأمد لتأمين احتياجاتهم بعيداً عن تقلبات السوق الفورية التي تجاوزت حاجز الـ 100 دولار للبرميل نتيجة هذا الضغط.
هذا التدافع الإقليمي يلقي بظلال كثيفة على استقرار أسواق النفط العالمية، حيث تلاشى فائض المعروض الذي كان يطمئن الأسواق في بداية العام، ليحل محله قلق من حدوث فجوة حقيقية في العرض إذا ما استمرت هذه الاستراتيجية التصعيدية.
إن التأثير لا يتوقف عند حدود سعر البرميل، بل يمتد ليضرب عصب الاقتصاد العالمي عبر موجة تضخمية جديدة تضع البنوك المركزية أمام خيارات صعبة بين رفع الفائدة لكبح التضخم أو خفضها لدعم النمو المتباطئ. ومع لجوء مجموعة السبع لاستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية كأداة تهدئة، يبدو أن السوق قد دخلت مرحلة السياسة النفطية بامتياز، حيث أصبح الخبر السياسي يسبق البيانات الفنية في تحريك الشاشات الحمراء والخضراء، مما يجعل من استقرار الأسواق في المدى القريب رهناً بمدى قدرة الأطراف الإقليمية على ضبط النفس وتغليب لغة المصالح الاقتصادية الكبرى على لغة المواجهة , فرغم أن ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار يمنح الخزينة الإيرانية تدفقات نقدية فورية، إلا أن الضرر الذي يلحق بها يبدو أعمق من الناحية الهيكلية. ففي ظل الاستراتيجية المتشددة والضغوط الدولية المتزايدة ، تواجه إيران عزلة تقنية تمنعها من تطوير حقولها المتهالكة ، مما يعني أن قدرتها على الاستفادة من الأسعار المرتفعة تظل محدودة بحجم إنتاج يتناقص تدريجياً , علاوة على ذلك ، فإن الاعتماد الكلي على اقتصاد الظل لبيع النفط بخصومات كبيرة للصين يجعل العائد الحقيقي أقل بكثير من سعر السوق العالمي. الضرر الأكبر يكمن في الداخل؛ حيث تؤدي هذه التوترات إلى انهيار مستمر في قيمة العملة المحلية وتضخم جامح يتجاوز 50%، مما يضع النظام تحت ضغط اجتماعي وانفجارات شعبية محتملة تفوق في خطورتها أي مكاسب نفطية مؤقتة.
بالانتقال إلى الجبهة المقابلة ، نجد أن الضرر الذي يلحق بالولايات المتحدة وإسرائيل ذو طبيعة مختلفة , بالنسبة لـ واشنطن، يمثل ارتفاع أسعار الطاقة كابوساً سياسياً ، خاصة مع استمرار ضغوط التضخم التي تؤثر على الناخب الأمريكي وتجعل إدارة الملف الداخلي غاية في الصعوبة , ومع ذلك ، تمتلك أمريكا مصدات قوية؛ فهي أكبر منتج للنفط في العالم ، وارتفاع الأسعار ينعش قطاع النفط الصخري لديها ويزيد من استقلاليتها الطاقية.
أما إسرائيل، فضرّرها يتركز في الجانب الأمني والاستراتيجي أكثر من الاقتصادي الصرف , فرغم قوة اقتصادها التكنولوجي، إلا أن اشتعال الجبهات الإقليمية وارتفاع تكلفة التأمين والشحن البحري يضغطان على سلاسل الإمداد ويرفعان كلفة المعيشة , لكن يظل الفارق الجوهري أن لدى إسرائيل والولايات المتحدة عمقاً مالياً وقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية والتحالفات الدولية التي تفتقر إليها إيران.
يمكن القول بشكل عام ، ترامب كان يسعى إلى إضعاف إيران اقتصاديًا وعسكريًا وتقليص نفوذها الإقليمي ، بينما كان نتنياهو يركز على التهديد النووي الإيراني ونفوذها في المنطقة، ويعمل على ضمان التفوق العسكري لإسرائيل .
في المحصلة، تظل منطقة الشرق الأوسط اليوم واقفة على حد السكين؛ فبينما تراهن واشنطن وتل أبيب على أن ضغط الغضب الملحمي سيؤدي إلى تصدع داخلي ينهي عقوداً من العداء، تراهن طهران على قدرة 'اقتصاد الظل' وصدمات أسعار النفط على استنزاف الخصوم سياسياً قبل نفاد مخزونها الاستراتيجي .
إن استقرار أسواق الطاقة العالمية لم يعد رهناً باتفاقيات أوبك وبيانات الإنتاج، بل أصبح معلقاً بمدى قدرة القوى الإقليمية على منع تحول 'الجراحة العسكرية' الموضعية إلى حريق إقليمي شامل , وفي هذا السباق بين 'الحسم السريع' و'الاستنزاف الطويل'، سيتحدد ليس فقط مصير النظام في طهران، بل ملامح نظام عالمي جديد للطاقة والأمن قد لا يشبه أبداً ما عرفناه قبل عام 2026
*اكاديمي وباحث مستقل