الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لعبة أعصابٍ طويلة

بواسطة azzaman

لعبة أعصابٍ طويلة

ثامر محمود مراد

 

في الأفق البعيد كانت السماء ملبّدة بغيومٍ ثقيلة، لا تشبه غيوم المطر التي يعرفها الناس، بل غيومًا تحمل في طياتها قلقًا مكتومًا. كانت الأرض هادئة في ظاهرها، لكن تحت هذا الهدوء كانت الأصوات الخفية تتصارع مثل تيارات بحرٍ عميق لا يراه أحد.

في أحد أطراف المشهد يقف عملاقٌ مثقل بالتاريخ، يحاول أن يبدو ثابتًا كجبلٍ لا تهزّه العواصف. يرفع رأسه عاليًا كي لا يرى أحدٌ الشقوق التي بدأت تتسلل إلى صخوره من الداخل. فهو يعرف أن الرياح لم تعد تأتي من جهة واحدة؛ بعضها يهبّ من الخارج، وبعضها يتكوّن في قلب الجبل نفسه.

وفي الطرف الآخر يقف صيادٌ بعيد، لا يقترب كثيرًا من الميدان، لكنه يجيد تحريك الأمواج بحجارة صغيرة يرميها في الماء. يعرف أن بعض المعارك لا تُحسم بالسيوف، بل بالهمسات التي تتسلل إلى الجدران، وبالشكوك التي تنمو في العقول مثل نباتٍ بريّ لا يمكن اقتلاعه بسهولة.

أما في الصحراء القريبة، فقد بدأت مدنٌ كانت تراقب بصمتٍ طويل أن تغيّر طريقة وقوفها. لم تعد تكتفي بمشاهدة العاصفة من بعيد، بل شرعت تبني حول نفسها أسوارًا جديدة من الحذر والردع، كأنها تقول للريح: إن مررتِ من هنا، فستجدين أرضًا مستعدة لمواجهتك.

وهكذا صار المشهد أشبه برقعة شطرنجٍ واسعة، تتحرك فيها القطع ببطءٍ ظاهر، لكنها تخفي خلف كل خطوة احتمالاتٍ لا تُحصى. لم تعد القضية مجرد ضربةٍ هنا أو ردٍ هناك، بل لعبة أعصابٍ طويلة، تختلط فيها القوة بالخوف، والصلابة بالقلق، والهدوء بالانتظار.

وفي هذا الليل الملبّد، لا أحد يعرف إن كانت العاصفة ستنقشع قريبًا، أم أنها ما تزال في بدايتها فقط. لكن شيئًا واحدًا يبدو واضحًا لكل من ينظر بتمعّن: عندما تبدأ الرياح بالحديث بلغة النار، يصبح الصمت نفسه جزءًا من المعركة.

 

 


مشاهدات 60
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/03/10 - 3:04 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 12:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 40 الشهر 9051 الكلي 15001120
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير