الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا لا يحاسب رؤساء الوزراء في العراق؟

بواسطة azzaman

لماذا لا يحاسب رؤساء الوزراء في العراق؟

عبدالقادر حداد

 

في الدول التي ترسخت فيها مؤسسات الدولة, لا تنتهي ولاية رئيس الحكومة بمجرد مغادرته مكتبه وتسليم المنصب إلى خلفه، بل تبدأ بعدها مرحلة لا تقل أهمية عن مرحلة الحكم نفسها، وهي مرحلة المراجعة والمساءلة. فقي تلك الدول تُفتح ملفات الإنجازات والإخفاقات، وتُراجع أرقام الإنفاق العام، وتُقارن الوعود بالنتائج، وتُقيَّم السياسات الأمنية والاقتصادية والخدمية، وقد يصل الأمر إلى تشكيل لجان تحقيق أو إحالة مسؤولين إلى القضاء إذا ثبتت مخالفات أو تجاوزات. أما في العراق, فيبدو المشهد مختلفاً تماماً؛ إذ تنتهي ولاية رئيس الوزراء غالباً بانتهاء ولايته الدستورية أو باستقالته أو باستبداله، دون أن تليها مراجعة مؤسسية شاملة لما جرى خلال سنوات حكمه، وكأن تلك السنوات أصبحت جزءاً من الماضي لا تستوجب سؤالاً ولا حساباً.

هذه الظاهرة تثير سؤالاً مشروعاً: لماذا لا يُحاسَب رئيس الوزراء في العراق على ما شهدته فترة ولايته من إنفاق مالي, أو هدر للمال العام، أو إخفاقات أمنية، أو تراجع في الخدمات، أو حتى على ما تحقق من إنجازات؟ ولماذا لا توجد حصيلة رسمية لكل حكومة توضح للرأي العام ماذا تسلمت وماذا أنجزت وماذا أخفقت فیه؟

الإجابة لا تكمن في سبب واحد، وإنما في تداخل عوامل دستورية وسياسية ومؤسساتية جعلت المحاسبة الحقيقية غائبة أو محدودة. فالدستور العراقي لعام 2005 وضع آليات لمساءلة رئيس الوزراء وهو في السلطة، لكنه لم يؤسس لآلية واضحة لمحاسبته بعد انتهاء ولايته. فالبرلمان يمتلك صلاحية استجواب رئيس الوزراء وسحب الثقة منه أثناء وجوده في المنصب, وهذه أداة رقابية مهمة من الناحية النظرية، لكنها لا تعني وجود نظام يفرض مراجعة شاملة للحكومة عند انتهاء عملها. وما إن تنتهي الولاية حتى تنتهي معها عملياً أغلب أدوات الرقابة السياسية، ويبقى القضاء هو الجهة الوحيدة القادرة على الملاحقة، ولكن ضمن نطاق الجرائم التي تثبت بالأدلة، لا ضمن تقييم الأداء العام للحكومة.

وهنا يبرز فرق جوهري كثيراً ما يختلط على الرأي العام، وهو الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية. فالمسؤولية الجنائية تعني أن يكون رئيس الوزراء قد ارتكب جريمة يعاقب عليها القانون، كالرشوة أو الاختلاس أو إساءة استعمال السلطة, وهذه لا تسقط بمجرد انتهاء ولايته، ويمكن للقضاء أن يحقق فيها متى توافرت الأدلة. أما المسؤولية السياسية فهي أوسع بكثير: إذ تتعلق بنتائج السياسات التي انتهجتها الحكومة، وبمدى نجاحها أو فشلها في تحقيق أهدافها، وبكيفية إدارتها للمال العام والأمن والخدمات والاقتصاد. وهذه المسؤولية تكاد تكون غائبة في العراق بعد انتهاء ولاية الحكومات، رغم أنها تشكل جوهر العمل الديمقراطي في كثير من الدول.

ولعل السؤال الأهم هو: هل يعقل أن تنفق حكومة عشرات أو مئات المليارات من الدولارات خلال أربع سنوات، ثم لا توجد مراجعة وطنية شاملة تبين أين ذهبت هذه الأموال, وما الذي تحقق مقابلها؟ فالدول لا تقیس نجاح الحكومات بعدد البيانات الصحفية ولا بكثرة المؤتمرات، وإنما تقيسها بالأرقام والنتائج. كم مدرسة بُنيت؟ كم مستشفى دخل الخدمة؟ كم مشروع اكتمل؟ كم انخفضت البطالة؟ كيف تطور مستوى الأمن؟ ما حجم الدين العام؟ وما نسبة تنفيذ البرنامج الحكومي؟ أما في العراق، فإن الحكومات غالباً ما تغادر دون وثيقة رسمية شاملة تجيب عن هذه الأسئلة أمام البرلمان والرأي العام.

ويعود جزء كبير من هذه المشكلة إلى طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق والمحاصصة. فالحكومة في العراق لا تتشكل عادة من حزب واحد يتحمل كامل المسؤولية، وإنما من تحالفات وأحزاب تتقاسم الوزارات والهيئات والمؤسسات. وعندما يقع الفشل، يتنصل الجميع من المسؤولية، فيلقي الوزير اللوم على رئيس الوزراء، ويلقي رئيس الوزراء اللوم على البرلمان، ويلقي البرلمان اللوم على الظروف السياسية، وتلقي الأحزاب اللوم على شركائها، فتتوزع المسؤولية إلى درجة تضيع معها المسؤولية نفسها. وهكذا يصبح من السهل الحديث عن أخطاء ارتكبتها "الحكومة" دون أن يتحملها شخص أو جهة محددة.

كما أن البرلمان، الذي يفترض أن يكون السلطة الرقابية الأولى، يجد نفسه في كثير من الأحيان جزءاً من التركيبة الحكومية ذاتها، لأن الأحزاب التي تراقب الحكومة هي نفسها الأحزاب التي تشارك فيها. ومن الطبيعي أن تضعف الرقابة عندما يكون المراقب شريكاً في القرار الذي يفترض أن يحاسبه. لذلك كثيراً ما تتحول أدوات الرقابة إلى وسائل للضغط السياسي أو لتصفية الخلافات بين الخصوم، أكثر من كونها آليات ثابتة لمحاسبة الأداء الحكومي.

أما القضاء، فرغم استقلاله من حيث المبدأ، فإنه لا يستطيع أن يحاسب رئيس الوزراء لمجرد أن حكومته أخفقت في إدارة ملف معين, لأن القضاء لا يحاكم الإخفاق السياسي, بل يحاكم الأفعال التي يجرمها القانون. فإذا شهدت ولاية حكومة ما انهياراً أمنياً أو تعثراً في الخدمات أو هدراً كبيراً في الموارد دون أن يثبت وجود فعل جرمي محدد منسوب إلى رئيس الوزراء،

فإن القضاء لا يملك أساساً قانونياً لمحاكمته على مجرد سوء الإدارة أو ضعف الأداء، مهما كانت نتائجه على الدولة والمجتمع.

ولهذا السبب لا نجد في العراق ما يعرف في كثير من الدول بالتقييم المؤسسي للحكومات. فلا توجد قاعدة دستورية أو قانونية تُلزم كل رئيس وزراء، عند انتهاء ولايته، بتقديم تقرير شامل عن الأموال التي أنفقت, والمشاريع التي أنجزت, ونسب تنفيذ البرنامج الحكومي، وأسباب الإخفاقات, والتحديات التي واجهتها حكومته. كما لا توجد جلسة إلزامية يناقش فيها البرلمان هذا التقرير، ولا نظام ثابت يحيل المخالفات التي يكشفها إلى الجهات القضائية والرقابية.

إن غياب هذه الثقافة لا يضر بالحكومات السابقة وحدها، بل يضر بالحكومات اللاحقة أيضاً، لأن كل حكومة تبدأ من جديد دون أن تخضع الحكومة التي سبقتها لتقييم موضوعي يحدد مواطن النجاح والفشل. وبذلك تتكرر الأخطاء ذاتها، وتتبدل الوجوه, بينما تبقى آليات الإدارة والمساءلة على حالها. ومن الخطأ الاعتقاد أن محاسبة رئيس الوزراء تعني بالضرورة الزج به في السجن أو توجيه اتهام جنائي إليه. فالمحاسبة تبدأ أولاً بمعرفة الحقيقة، من حق المواطن أن يعرف ماذا تسلمت الحكومة عند بدايتها، وماذا تركت عند نهايتها. ومن حقه أن يعرف أسباب تعثر المشاريع, وأسباب ارتفاع الديون أو انخفاضها، وأسباب الإخفاقات الأمنية أو النجاحات المتحققة، لأن الأموال التي أُنفقت هي أموال عامة، والسلطة التي مُنحت للحكومة هي سلطة مستمدة من الشعب. إن الدول لا ثُبنى فقط بالنصوص الدستورية، وإنما بثقافة سياسية تجعل كل مسؤول يدرك أنه سيُسأل في نهاية المطاف عن حصيلة عمله. وعندما تغيب هذه الثقافة، تصبح نهاية الولاية مجرد انتقال للسلطة, لا محطة للمراجعة والمحاسبة، وهنا تكمن إحدى أبرز الثغرات في التجربة العراقية؛ إذ إن الحكومات تتعاقب, والموازنات تُصرف, والبرامج تُعلن, والأزمات تتكرر،

لكن السؤال ذاته يبقى معلقاً في نهاية كل دورة حكومية: ماذا كانت حصيلة هذه السنوات؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟ إن إصلاح هذا الواقع لا يتطلب بالضرورة تعديلاً دستورياً واسعاً بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية تؤمن بأن المنصب العام ليس امتيازاً، بل مسؤولية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إلزام كل حكومة بتقديم تقرير ختامي شامل يناقشه مجلس النواب في جلسة علنية، وإخضاع الإنفاق العام لتدقيق مستقل، ونشر مؤشرات الأداء بصورة شفافة, وإحالة أي مخالفات مالية أو إدارية أو قانونية إلى الجهات المختصة دون اعتبار للموقع السياسي أو النفوذ الحزبي. فالمحاسبة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تحمي الدولة من تكرار الأخطاء، وترسخ مبدأ أن السلطة تكليف لا تشريف.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية المطاف: إذا كان الموظف البسيط يُسأل عن معاملة إدارية، فكيف يمكن أن تنتهي ولاية أعلى مسؤول تنفيذي في الدولة دون مراجعة شاملة لحصيلة سنوات حكمه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق برئيس وزراء بعينه، بل تتعلق بمستقبل الدولة العراقية نفسها، لأن الدولة التي لا تحاسب أعلى مسؤوليها على نتائج سياساتهم ستجد نفسها عاجزة عن بناء منظومة حكم تقوم على المسؤولية والشفافية وسيادة القانون، وهي الأسس التي لا تستقيم أي ديمقراطية حقيقية من دونها .

 


مشاهدات 28
الكاتب عبدالقادر حداد
أضيف 2026/07/14 - 4:10 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 11:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1171 الشهر 15142 الكلي 15920269
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير