الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دفء الثمانينات في زمن الشاشات.. لماذا نتحسر على صور الماضي ونعيش برد الحاضر؟


دفء الثمانينات في زمن الشاشات.. لماذا نتحسر على صور الماضي ونعيش برد الحاضر؟

علاء الطرفي

 

في أحد الأيام، وأنا أتصفح منصات التواصل، وقفتُ طويلاً أمام مقطع فيديو قديم يعود إلى الثمانينات أو التسعينات. كان يظهر عائلة عراقية مجتمعة حول مائدة طعام، أو في جلسة عائلية، أو في مناسبة احتفالية. ما لفت انتباهي لم يكن المقطع نفسه، بل التعليقات التي تدفقت تحته: "أين هذا الدفء اليوم؟"، "كنا ولا زلنا؟"، "هذه هي الحياة الحقيقية". كلمات الحسرة تتدفق، وكأن كل من كتبها يشعر بأنه فقد شيئاً ثميناً، وأن الصورة التي أمامه ليست مجرد ذكرى، بل هي مرآة لواقع ضائع.

هذه الحسرة ليست مجرد حنين عابر إلى الماضي، بل هي صرخة وجودية. نحن لا نشتاق إلى الأيام الخوالي فقط، بل نشتاق إلى ما كانت تمثله: دفء الحضور، وبهجة التواصل المباشر، وطمأنينة العلاقات الإنسانية غير الوسيطة. في تلك الصور القديمة، لا نرى هواتف، ولا شاشات، ولا تشتت. نرى عيوناً تنظر إلى بعضها، وأفواهاً تتبادل الحديث، وقلوباً تشارك اللحظة. نرى عائلة مجتمعة، وليس أفراداً منعزلين في عوالمهم الخاصة.

أما اليوم، فنعيش عصر "الحضور الغائب". نجلس مع عائلاتنا، لكننا نتواصل مع الغرباء. نكون على مائدة الطعام، لكن عيوننا على الشاشات. نلتقي بالأصدقاء، لكننا نتفاعل مع الحسابات. نعيش معاً، لكننا وحدنا. هذه هي المفارقة التي تدمي القلب: كنا نجتمع على مائدة واحدة، واليوم نجتمع على تطبيق واحد. كنا نتحدث وجهاً لوجه، واليوم نتبادل الرسائل عبر الشاشات. كنا نضحك معاً، واليوم نضحك وحدنا أمام مقاطع فيديو لا تتجاوز ثواني.

حين يصبح الحنين إلى الماضي وعداً بالحاضر

لكن تأمل معي هذا المشهد المتكرر: نتحسر على صور الماضي، ونبكي دفء الأمس، ونحن نملك بين أيدينا القدرة على صنع هذا الدفء اليوم. الدفء الذي نبحث عنه في ذكريات الثمانينات، والذي تقودنا السوشيال ميديا إلى الحنين إليه مراراً، هو في الحقيقة بين أيدينا. يمكننا أن نصنعه حقيقة في أي إنجاز، ولو بسيط. في لقاء عائلي، في مكالمة هاتفية دون مقاطعة، في نظرة حب، في كلمة صادقة، في حضور كامل مع من نحب.

لكن هناك ما يحول دون ذلك. الخوف من الفشل يقف حاجزاً أمامنا. الخوف من أن نحاول ونفشل، الخوف من أن نبني وننهار، الخوف من أن نستثمر في علاقة ونخسر. هذا الخوف يجعلنا نفضل الهروب إلى الشاشات، حيث لا فشل، ولا مخاطرة، ولا مواجهة. حيث يمكننا أن نكون من نريد، دون أن نخاطر بأن نكون أنفسنا.

إضافة إلى الخوف، هناك عدم امتلاك الإمكانيات. ليس المادية فقط، بل الإمكانيات العاطفية والنفسية. كيف نبني علاقة دافئة ونحن لم نتعلم كيف نتحدث؟ كيف نصنع حضوراً ونحن لم نتعلم كيف نكون حاضرين؟ كيف نعطي الحب ونحن لم نتلقَه؟ هذه الإمكانيات المفقودة تجعلنا عالقين بين الرغبة في الدفء والعجز عن تحقيقه.

المفارقة الأعمق أن الخوارزميات، التي صممت لتقربنا، أبعدتنا عن بعضنا. قدمت لنا بديلاً عن العلاقات الحقيقية، وأوهمتنا أنه أفضل. قالت لنا: "ابق متصلاً"، لكنها جعلتنا أكثر عزلة. وعدتنا بالتواصل، لكنها منحتنا التشتت. قدمت لنا الإشباع الفوري، لكنها جعلتنا غير قادرين على تحمل تعقيدات العلاقات الحقيقية التي تحتاج إلى وقت وجهد وحضور.

سيكلوجية الحنين والعزلة

عندما يكتب أحدهم "أين هذا الدفء اليوم؟"، فهو لا يسأل فقط عن ماضٍ مضى، بل يعبر عن ألم حاضر. هذا الألم هو نتيجة لغياب الدفء الذي كان يوفره التواصل الإنساني الحقيقي. الخوارزميات أوهمتنا أننا نتواصل، بينما ابتعدنا عن بعضنا. جعلتنا نعتقد أن التفاعل السريع هو علاقة، والتمرير هو حوار، والمشاهدة هي مشاركة.

 

هذه الحسرة الجماعية التي نراها في التعليقات ليست مجرد حنين للماضي، بل هي وعي غير مكتمل بما نعيشه. نحن ندرك أن هناك شيئاً مفقوداً، لكننا لا ندرك أن الخوارزميات هي من سرقته. نحن نشعر بالبرد، لكننا لا نعرف أن الشاشات هي مصدره. نشتاق إلى الدفء، لكننا لا نعرف أننا نبتعد عنه كلما اقتربنا من شاشاتنا.

هذا الصراع بين الدفء المفقود والبرودة الحاضرة هو جوهر أزمة الإنسان الرقمي. نحن نعيش في زمن نتواصل فيه أكثر من أي وقت مضى، لكننا نشعر بالوحدة أكثر من أي وقت مضى. نملك آلاف الأصدقاء، لكننا نفتقد صديقاً واحداً. نعرف تفاصيل حياة الغرباء، لكننا نجهل تفاصيل من نعيش معهم. نتفاعل مع محتوى لا نهائي، لكننا نشعر بالفراغ.

كيف نصنع الدفء اليوم؟

لكن لهذه الحسرة حل، وهو قرار نتخذه بأنفسنا. الحل ليس في كسر الهواتف، بل في تغيير علاقتنا بها. في أن نقرر أن نكون حاضرين مع من نحب، دون هواتف، دون تشتت، دون مقاطعة. في أن نمنح أنفسنا ومن نحب هدية الحضور الكامل.

أن ندرك أن التواصل الحقيقي لا يحدث عبر الشاشات، بل عبر اللقاءات، والمحادثات، واللمسات، والنظرات. أن نستثمر في العلاقات الحقيقية، وليس فقط في العلاقات الافتراضية. أن نقرر أن العلاقات الإنسانية أهم من أي إشعار، وأن الحضور مع من نحب أهم من أي محتوى.

وأن ندرك، أخيراً، أن الخوارزميات ليست صديقتنا، وأنها لا تريدنا أن نجد أنفسنا. أن نعرف أن رحلتنا الحقيقية لا تحدث على الشاشة، بل في الحياة التي نعيشها خارجها. وأن الدفء الذي نبحث عنه ليس في الصور القديمة، بل في قدرتنا على أن نكون حاضرين مع من نحب، هنا والآن.

الصور القديمة مرايا نقائنا المفقود

الصور القديمة ليست مجرد ذكريات، بل هي مرآة لواقع ضائع. الدفء الذي نشتاق إليه ليس مجرد حنين، بل هو حاجة إنسانية عميقة للتواصل الحقيقي. الحسرة التي نعبر عنها ليست مجرد لحظة عابرة، بل هي صرخة ضد عالم تسوده الشاشات ويسيطر عليه التمرير. صرخة تقول: "نحن هنا، ونحن نبحث عن الدفء، لكننا لا نعرف كيف نعثر عليه في زمن الشاشات".

نحن نتحسر على صور الماضي، ونحن نصنع صور الحاضر. نشتاق إلى دفء الأمس، ونحن نملك القدرة على خلق دفء اليوم. الخوف من الفشل وغياب الإمكانيات ليسا قدراً محتوماً، بل هما حواجز يمكن تجاوزها بخطوة واحدة: أن نبدأ. أن نصنع لحظة دافئة واحدة، ثم أخرى، ثم أخرى. أن نختار الحضور على التشتت، والتواصل على التمرير، والدفء على البرودة.

لأن الدفء الذي نبحث عنه ليس في ذكريات الماضي، بل في قرارات الحاضر. وفي قدرتنا على أن نكون، هنا والآن، كما كنا في أحلى صورنا.

 

 

 


مشاهدات 30
الكاتب علاء الطرفي
أضيف 2026/07/14 - 4:36 PM
آخر تحديث 2026/07/15 - 12:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 15230 الكلي 15920357
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير