من الجُبّة إلى محو البين
قراءة وتاويل لقصيدة (ما في الجبة سوانا) للشاعر عبد المنعم حمندي
رياض عبد الواحد
المقدمة
القصيدة بوصفها مغامرة في حدود الذات واللغة:
لا تدخل قصيدة (ما في الجُبّة سوانا) إلى التجربة الصوفية من باب المحاكاة التراثية الخالصة، ولا تكتفي باستعادة معجم التصوف بوصفه زخرفاً لغوياً جاهزاً، إنها تحاول أن تعيد بناء السؤال الصوفي داخل حساسية شعرية حديثة، إذ لا يعود السؤال: من هو الله؟ ومن هو الإنسان؟ سؤالاً عقائدياً تقريرياً لكن يصبح سؤالاً لغوياً وأنطولوجياً عن الحدود: أين تنتهي الـ(أنا)؟ وأين يبدأ الـ(أنت)؟ وما الذي يحدث للغة حين تحاول أن تعبّر عن تجربة يكون جوهرها سقوط المسافة بين المتكلم والمخاطَب؟
من هنا تنبني القصيدة على مفارقة مركزية: إنها تستعمل اللغة لتقول تجربةً تتطلع إلى ما وراء الانفصال الذي تصنعه اللغة نفسها. فالضمائر تفصل بطبيعتها بين أنا وأنت وهو بينما تتحرك القصيدة في الاتجاه المضاد محاولةً تفكيك هذه الحدود:
(أَنَا أَنْتَ.. يَا عَبْدِي)
ثم تبلغ هذه الحركة ذروتها في:
(أَبْصَرْتَنِي.. أَبْصَرْتَهُ!)
[ ] إننا، إذن، أمام نص لا يجعل التصوف موضوعاً له فحسب بيد انه يحاول أن يجعل بنيته اللغوية نفسها تمارس تجربة المحو والاتحاد لذلك فإن القراءة اللسانية والبنيوية لا تأتي من خارج النص بل تنفذ إلى أكثر آلياته عمقاً: الضمير، والإسناد، والنفي، والتكرار، والتحول الدلالي، وبنية الثنائيات، وشبكة الرموز.
النصيص بوصفه عتبة نصية ومشكلة لغوية:
(مَا فِي الجُبَّةِ سِوَانَا!)
النصيص هو أول بؤرة دلالية في النص بل يمكن القول إن القصيدة كلها ليست إلا توسعاً تأويلياً في هذه الجملة القصيرة. فهو لا يقدّم موضوع القصيدة وإنما يضع المتلقي منذ البداية أمام مفارقة وجودية ونحوية.
١. البنية النحوية: النفي الذي يؤسس حضوراً
يتكون النصيص من بنية حصرية:
ما + في الجبة + سوانا
وظاهرياً، يبدأ التركيب بالنفي: /ما/. غير أن هذا النفي لا يؤدي وظيفة الإعدام بل وظيفة التكثيف والإثبات. فالعبارة تنفي الكثرة لكي تثبت وحدةً ما:
لا شيء في الجبة إلا نحن.
وهنا تصبح أداة النفي أداة بناء. إن (ما) تمحو الموجودات الأخرى، وتفرغ المجال الدلالي لكي تترك في النهاية ضميراً جمعياً واحداً: (نا).
وهذه آلية ستتكرر في القصيدة:
(لَا شَيْءَ فِي هَذَا المَدَى.. إِلَّا مَلَامِحُ صَبْوَتِي)
فالنص يبني رؤيته عبر ما يمكن تسميته بلاغة الإفراغ: يُفرغ العالم من التعدد الظاهر كي يعيد ملأه بوحدة باطنية.
. ٢-الجُبّة من الثوب إلى العلامة:
الجبة في المستوى المعجمي ثوب، أي غلاف خارجي يحيط بالجسد. لكنها في النص تتجاوز معناها المادي لتصبح علامة على:
الجسد بوصفه غلافاً،
الهوية الفردية بوصفها قشرة،
الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج،
الصورة الظاهرة التي تخفي وحدة الباطن.
وهذا المعنى يؤكده النص لاحقاً:
(فَمَا أَنَا إِلَّا غِلَافٌ زَائِفٌ)
ثم:
(مَزِّقْ جُيُوبَ الجُبَّةِ!)
فالجبة ليست لباساً فحسب إنما بنية فصل. وتمزيقها فعل رمزي يستهدف إزالة الحواجز بين الظاهر والباطن، وبين الذات وما تتوق إلى الاتحاد به.
واللافت أن الشاعر لا يقول: اخلع الجبة، بل:
(مَزِّقْ جُيُوبَ الجُبَّةِ)
والتمزيق أكثر عنفاً من الخلع لأنه لا يعني استبدال غلاف بغلاف لكن تعطيل وظيفة الغلاف نفسها. وهنا تتحول الجبة من شيء يُلبس إلى نظام للحدود ينبغي اختراقه.
٣. التحول من (أنا) التراثية إلى (نحن) الحديثة:
الأهم في النصيص هو الضمير:
(سِوَانَا)
فالعبارة لا تقول: ما في الجبة سواي، بل تقول: سوانا.
وهذا التحول من المفرد إلى الجمع ليس تفصيلاً أسلوبياً. إنه يغيّر البنية الفلسفية للقول كله. فالـ(أنا) المغلقة تتحول إلى نحن، والهوية الفردية تتحول إلى هوية علائقية.
لكن (نحن) هنا ليست جمعاً حسابياً بسيطاً. إنها ليست:
أنا + أنت = اثنان
بل هي محاولة لتكوين كينونة ثالثة تتجاوز الطرفين لذلك يعلن النص:
(نَحْنُ انْصِهَارُ الضَّوْءِ فِي البَرْقِ الأَنِيقْ)
فالـ(نحن) ليست جمعاً لذاتين منفصلتين وإنما اسم لحظة الانصهار.
وهكذا يمكن قراءة النصيص بوصفه برنامج القصيدة البنيوي كله: تبدأ القصيدة بضمير جمعي غامض، ثم تتحرك داخل النص لتكشف كيف تكوّن هذا الضمير عبر تفكيك المسافة بين (أنا) و(أنت).
بنية الضمائر وتحولات الهوية:
من أكثر المستويات اللسانية أهمية في النص حركة الضمائر. فالقصيدة لا تستقر على مركز تلفظ واحد بل تنتقل بين:
أنا – أنت – هو – نحن – نا
وهذه الضمائر ليست أدوات إحالة محايدة لكنها البنية العميقة للتجربة.
في البداية يقول المتكلم:
(أَنِي رَأَيْتُ الشَّمْسَ فِي وَجْهِ المِيَاهْ!)
هنا توجد ذات ناظرة: أنا رأيت. والعالم يقع أمامها بوصفه موضوعاً للرؤية. ما زالت الثنائية قائمة:
ذات ترى / موضوع يُرى.
لكن هذه البنية لا تستمر. فالذات تسأل:
(فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ الَّذِي مَلأَ العُيُونْ؟)
السؤال يفترض انفصالاً واضحاً بين السائل والمسؤول عنه:
أنا ≠ أنت
غير أن الجواب يفجّر النظام الضمائري:
(أَنَا أَنْتَ.. يَا عَبْدِي)
هذه الجملة شديدة الكثافة من الناحية اللسانية. فالضميران اللذان يفترض النظام اللغوي اختلافهما يُربطان بعلاقة تطابق:
أنا = أنت
لكن المفارقة تتعمق بعبارة:
(يا عبدي)
لأن النداء يعيد إنتاج المسافة التي حاولت جملة (أنا أنت) إلغاءها. وهكذا لا يقدم النص وحدةً ساكنة، بل يبني توتراً مستمراً بين:
الوحدة والاختلاف، القرب والمسافة، الاندماج والنداء.
وهذه إحدى أهم نقاط حداثة النص، إذ لا تتحقق الوحدة بوصفها نتيجة منطقية نهائية بل تظل مشدودة إلى أثر الانفصال.
(البَيْن) بوصفه مركزاً بنيوياً خفياً:
ربما تكون أكثر الكلمات أهمية في القصيدة كلمة:
(البَيْنِ)
في قوله:
(وَحِينَ تَسْقُطُ لَفْظَةُ (البَيْنِ)
المُدَافِ بِلَيْلِنَا..)
الشاعر لا يقول: حين يسقط البين، وإنما:
(حين تسقط لفظة البين)
وهذا فارق بالغ الأهمية. فالمشكلة هنا ليست في المسافة الوجودية وحدها لكن في الكلمة التي تسمّي المسافة.
إن النص يعي أن اللغة نفسها تصنع الحدود. حين نقول:
أنا / أنت
فإن اللغة قد أنشأت فاصلاً. وحين نقول:
الخالق / الخليقة
فقد أسس النظام اللغوي ثنائية.
لذلك فإن القصيدة تحاول إسقاط (لفظة) البين، أي إسقاط العلامة اللغوية التي تحفظ الانفصال.
هنا تقترب القصيدة من وعي حداثي باللغة: فالمعنى لا يوجد خارج العلامات فحسب بل تتدخل اللغة نفسها في تشكيل تجربتنا للوجود. ومن ثم يصبح التحرر من (البين) محاولة للتحرر من سلطة التقسيم اللغوي.
لكن المفارقة أن القصيدة لا تستطيع إسقاط اللغة إلا باللغة. إنها تقول (سقوط لفظة البين) بواسطة ألفاظ. وهذه المفارقة هي أحد مصادر التوتر الشعري في النص: اللغة تحاول تجاوز حدودها بأدواتها نفسها.
البنية العميقة للنص: من الثنائية إلى الانصهار
يمكن رصد حركة بنيوية واضحة تحكم القصيدة:
رؤية ← سؤال ← جواب ← تجلٍّ ← محو الحدود ← فناء ← انصهار
في البداية:
(رَأَيْتُ الشَّمْسَ فِي وَجْهِ المِيَاهْ»
ثم السؤال:
(مَنْ أَنْتَ؟)
ثم الجواب:
(أَنَا أَنْتَ)
ثم التجلي:
(نُورَكَ حِينَ فَاضَ عَلَى دَمِي)
ثم تفكيك الغلاف:
(مَزِّقْ جُيُوبَ الجُبَّةِ)
ثم الانصهار:
(نَحْنُ انْصِهَارُ الضَّوْءِ فِي البَرْقِ الأَنِيقْ)
وأخيراً انقلاب الرؤية:
(أَبْصَرْتَنِي.. أَبْصَرْتَهُ!)
إذن النص لا يتحرك حركة سردية تقليدية بل حركة تحويلية. يبدأ من عالم الثنائية وينتهي إلى محاولة محوها.
ويمكن تمثيل بنيته العميقة هكذا:
أنا / أنت
↓
أنا أنت
↓
نحن
↓
سقوط البين
↓
الفناء
↓
الرؤية الواحدة
إن مركز القصيدة ليس (الحب) بالمعنى الوجداني البسيط، بل تحويل بنية الهوية.
الماء والشمس والنهر: سيمياء المرآة المتحركة:
يفتتح المتن الشعري بصورة:
(رَأَيْتُ الشَّمْسَ فِي وَجْهِ المِيَاهْ)
هذه الصورة تؤسس منذ البداية علاقة بين الأصل والصورة. فالشمس في السماء، لكنها تظهر في الماء. وهنا يصبح السؤال: أين الحقيقة؟ أفي الشمس أم في صورتها؟ وهل الصورة أقل حقيقة من الأصل؟
الماء لا يحتفظ بصورة ثابتة، لأنه:
(تَجْرِي مَعَ النَّهْرِ العَظِيمِ)
وهكذا تصبح الهوية نفسها انعكاساً متحركاً. الشمس واحدة، لكن الماء متعدد ومتغير. إننا أمام بنية رمزية يمكن قراءتها على النحو الآتي:
الشمس = النور/المطلق
الماء = الوجود المتجلي
النهر = الزمن والتحول
الانعكاس = ظهور الواحد في المتعدد
غير أن النص يضيف:
(عَلَى عَمًى.. مِنْ غَيْرِ هُدَاهْ)
فتنشأ مفارقة أخرى: النور حاضر، لكن الرؤية ليست مكتملة. الشمس موجودة، غير أن الذات ما تزال في طور البحث. وهذا ما يجعل التجلي ليس امتلاكاً للحقيقة، بل رحلةً في أثرها.
معجم الضوء ومعجم الظلمة:
تقوم القصيدة على شبكة واسعة من التقابلات:
الشمس / العتمة
النور / الليل
الضوء / السواد
التجلي / الغلاف
الرؤية / العمى
لكن الشاعر لا يعالج هذه الثنائيات معالجة أخلاقية بسيطة. فهو يقول:
«أَنَا مَا كَرِهْتُ العَتْمَةَ السَّوْدَاءَ يَوْمَا»
وهنا لا تكون الظلمة شراً مطلقاً. إنها جزء من التجربة بل إن النور نفسه يؤدي وظيفة مفارقة:
(لَكِنَّ نُورَكَ حِينَ فَاضَ عَلَى دَمِي..
أَعْمَى جِهَاتِ كَرَاهَتِي!)
عادةً يكون النور سبباً للإبصار، لكن النص يجعله سبباً للعمى:
النور ← العمى
غير أن هذا العمى ليس فقداناً للرؤية، بل فقداناً لـ:
(جهات كراهيتي)
وهذه صورة شديدة الخصوصية لأن الكراهية تحولت إلى فضاء له (جهات)، ثم جاء النور فأبطل قدرة الذات على الاهتداء إليها. وكأن الحب لم يهزم الكراهية بالحجاج، بل محو خرائطها الداخلية.
الجسد بوصفه كتابةً للتجلي:
تتكرر في القصيدة مفردات:
دمي – عروقي – طينتي – سريرتي – دمعة – الجبة – الرداء
وهذا يعني أن التجربة، على الرغم من نزوعها الروحي، لا تلغي الجسد. بل تجعل الجسد نفسه مجالاً للكتابة الصوفية:
(نُورَكَ حِينَ فَاضَ عَلَى دَمِي)
ثم:
(مَزَجَ الإِلَهُ رُوحَهُ فِي طِينَتِي)
ثم:
(الحُبُّ المُقَدَّسُ فِي عُرُوقِ الوَرْدَةِ)
فالروحاني لا يظهر خارج المادة، وإنما فيها. النور يسري في الدم، والحب يجري في العروق، والروح تتصل بالطين، والجبة المادية تصبح رمزاً ميتافيزيقياً.
وهنا تتحقق إحدى السمات المهمة في بنية النص: إلغاء التعارض الصارم بين الجسد والروح. فالطين ليس نقيضاً للنور، بل قابل لإنباته:
(فَأَنْبَتَتْ نُوراً بِعَرْشِ مَحَبَّتِي!)
الفعل (أنبتت) ينتمي إلى معجم الأرض والنبات، بينما (النور) ينتمي إلى المعجم الروحي. وبجمعهما ينتج النص استعارة تتجاوز التصنيف المألوف:
الطينة تنبت نوراً.
الخمرة والتجلي وإعادة تشكيل الرمز الصوفي:
يقول النص:
(لَمْ يَشْرَبِ الرُّهْبَانُ فِيهَا مِنْ دِمَاءِ الدَّالِيَه
لَكِنَّهُمْ شَرِبُوا رَحِيقَ الذَّاتِ
مِنْ خَمْرِ التَّجَلِّي الشَّافِيَه)
تعمل البنية هنا على نفي المعنى الحسي للخمرة وإحلال معنى معرفي وروحي مكانه.
لدينا:
دماء الدالية ← منفيّة
رحيق الذات ← مثبت
خمر التجلي ← البديل
وهكذا تنتقل الخمرة من مادة إلى حالة وعي.
لكن اللافت هو الجمع بين:
(خمر) و(الشافي)
فالسكر عادةً فقدان للوعي، بينما الشفاء استعادة للتوازن. النص يجمع المتعارضين ليصنع وعياً آخر: السكر هنا ليس غياباً عن الحقيقة بل غياباً عن الذات المنغلقة، ولذلك يصبح نوعاً من الشفاء.
الحب بوصفه أنطولوجيا لا عاطفة
يقول الشاعر:
(فَأَنَا الغَرَامُ، وَمِنْهُ بَدْءُ جِبِلَّتِي)
لا يقول:
أنا عاشق
بل:
أنا الغرام
وهذا تحول لساني مهم من الصفة أو الحالة إلى الهوية. فالحب لم يعد شيئاً تفعله الذات بل صار ما تكونه الذات.
ثم يقول:
«إِنِّي أُحِبُّكَ لِلْجَمَالِ»
فالحب هنا متحرر من الخوف والطمع:
«لَا خَوْفَ يُقْعِدُنِي»
(وَلَا طَمَعٌ يُحَرِّكُ خُطْوَتِي)
تقوم البنية على نفي الدافعين التقليديين:
الخوف / الطمع
وإثبات دافع ثالث:
الجمال
وبذلك يتحول الحب إلى معرفة جمالية بالوجود. فالذات لا تتجه إلى المطلق خوفاً ولا طمعاً، وإنما لأن الجمال نفسه يستدعي الحب.
الأفعال ودينامية التحول:
إذا تأملنا الحقول الفعلية وجدنا كثافة في أفعال الحركة والتحول:
رأيت – تجري – يستل – ملأ – يفيض – تسقط – يشرب – فاض – مزج – أنبتت – يحرك – مزق – ضمّني – ترتدي – أبصرت – مت – تعيش – فنوا
هذه الأفعال تمنع النص من التحول إلى تأمل ساكن. فالتجربة الصوفية هنا حدث لا مفهوم مجرد.
ويبرز خصوصاً فعل الأمر:
(خُذْنِي إِلَيْكَ)
(مَزِّقْ جُيُوبَ الجُبَّةِ)
(ضُمَّنِي)
(فَقُلْ: أَنَا!)
(مُتْ فِي الغَرَامِ)
إن انتقال النص إلى صيغة الأمر يدل على أن التجربة لم تعد وصفاً لما حدث بل أصبحت خطاباً إنجازياً يريد أن يصنع الحدث باللغة.
من الرؤية إلى البصيرة:
تبدأ القصيدة بـ:
(رَأَيْتُ الشَّمْسَ)
وتنتهي تقريباً إلى:
(أَبْصَرْتَنِي.. أَبْصَرْت