الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدولة العميقة والسلطة الخفية

بواسطة azzaman

الدولة العميقة والسلطة الخفية

شيرزاد نايف

 

حين يتبرأ الجميع... فمن الذي يحكم؟

ثمة سؤال يطارد العقل السياسي منذ قرون، لكنه يعود اليوم بثوب أكثر غموضًا: من يدير الدولة حقًا؟ أهي السلطة التي نراها على الشاشات، أم تلك التي لا نراها إلا في نتائج قراراتها؟

     كلما عصفت بالأوطان أزمة، ارتفع المشهد ذاته. الشعب يعلن براءته، والحكومة تتبرأ من الإخفاق، والرئيس يؤكد أن الحقيقة غير ما يُشاع، والوزراء يوزعون المسؤوليات، والبرلمان يغرق في الجدل، ويبقى الدستور شاهدًا صامتًا، تُقرأ نصوصه أكثر مما تُمارس روحه. فإذا كان الجميع خارج دائرة الفعل، فمن الذي يدير المشهد؟

لعل مفهوم الدولة العميقة لم يولد من فراغ، بل ولد من فراغ الإجابة. فهو ليس بالضرورة اسمًا لكيان واحد، بل تعبيرٌ يلجأ إليه الناس حين يشعرون أن القرار أكبر من الحكومة، وأن النفوذ أطول عمرًا من الرؤساء، وأن بعض السياسات لا تتغير حتى وإن تغيرت الوجوه والعناوين.

زيارات رسمية

كم رأينا دولًا تتقاتل بالوكالة، وتشتعل بينها ساحات الصراع، بل وتصدر تصريحات نارية تتبنى المواقف بأوضح العبارات، ثم لا تمضي إلا سنوات، أو ربما أشهر، حتى يعود أصحاب تلك الخطابات أنفسهم إلى موائد الحوار، ويتبادلون الابتسامات والزيارات الرسمية، وكأن الدم لم يُهرق، وكأن النار لم تشتعل، وكأن التاريخ طوى صفحاته بقرار واحد. وعندما يُسأل الساسة عن هذا التحول، يجيبون بعبارتهم الشهيرة: «السياسة لا دين لها، بل تحكمها المصالح.»

ولكن... هل المصالح وحدها تكفي لتفسير كل هذا؟

لقد عرف العالم تنظيمات عنيفة مثل تنظيم داعش وغيرها من الجماعات المسلحة التي غيّرت خرائط دول، وأعادت رسم موازين قوى، وأدخلت شعوبًا في دوامات طويلة من الحروب والنزوح والدمار. ولا يزال الباحثون يختلفون في تفسير نشأتها وتمددها واستمرارها؛ بين من يردها إلى انهيار مؤسسات الدولة، أو الصراعات الإقليمية والدولية، أو التطرف الفكري، أو عوامل أخرى. وهذا الاختلاف في ذاته يكشف أن المشهد أعقد من أن يُختزل في تفسير واحد أو فاعل واحد.

وهنا تبدأ الفلسفة حيث تنتهي السياسة. إذا لم يكن الشعب هو من يصنع تلك التحولات، ولا الحكومة وحدها، ولا الرئيس، ولا البرلمان، ولا الدستور، فمن الذي يمسك بالخيوط؟ وهل توجد في بعض الدول مراكز نفوذ غير منتخبة تؤثر في القرار العام؟ وإذا وجدت، فهل هي مؤسسات، أم شبكات مصالح، أم قوى اقتصادية، أم أجهزة بيروقراطية، أم توازنات دولية؟ أم أن لكل دولة قصتها الخاصة، ولا يجوز جمع العالم كله في نظرية واحدة؟

مراكز نفوذ

إن أكثر ما يثير الدهشة ليس وجود النفوذ، فالنفوذ رافق التاريخ منذ نشأة الدول، وإنما أن يبقى الفاعل أحيانًا مختبئًا بينما يظهر أثر فعله بوضوح. كأن السياسة مسرح كبير، نرى فيه الممثلين جميعًا، لكننا لا نعرف دائمًا من كتب النص، ولا من أدار الإضاءة، ولا من أشار بإسدال الستار.

لعلنا لا نحتاج إلى الإيمان بأسطورة تحكم العالم من غرفة واحدة، ولا إلى إنكار وجود مراكز نفوذ تؤثر في صناعة القرار. فالواقع أكثر تعقيدًا من الأساطير، وأكثر تشابكًا من الشعارات. وما يسمى بـ»الدولة العميقة» قد يكون في بعض الحالات وصفًا لشبكات نفوذ داخل دولة بعينها، لا قالبًا واحدًا يُفسر كل ما يجري في العالم.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل نعيش في زمن سلطاتٍ خفيفة تحمل الألقاب الرسمية، بينما تتنازع على القرار قوى أخرى تختلف من دولة إلى أخرى؟ أم أن تعقيد العالم يجعلنا نميل إلى البحث عن يدٍ خفية كلما استعصى علينا تفسير الأحداث؟

إن الدولة القوية ليست التي تكثر فيها الأسرار، بل التي تقل فيها المسافة بين القرار والمسؤولية، بين السلطة والمساءلة، وبين الحاكم والقانون. فحين يعرف المواطن من يقرر، ومن يُحاسب، تسقط الأساطير، وتبقى الدولة... دولةً لا ظلًا لدولة.

 


مشاهدات 31
الكاتب شيرزاد نايف
أضيف 2026/07/14 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/07/15 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 77 الشهر 15233 الكلي 15920360
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير