الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جنازة حق الجوار على خليج البصرة

بواسطة azzaman

جنازة حق الجوار على خليج البصرة

محمد الجوراني

 

منذ أن أسسها العرب على شط العرب ، كانت البصرة مدينة مفتوحة على ماء البحر والشط و النهر .. لم تكن يوماً مدينة مغلقة .. كان البحر و الشط لها شارعاً ، سوقاً ، مدرسة و مقبرة أحياناً .. خرج منها الملاحون و التجار و العلماء و الشعراء و الأدباء و الأبطال و الصيادون ، حملوا البضائع كما حملوا الكتب و ربطوا العراق بالعالم بخيوط من ملح و ماء ..!!

لعقود خلت كان البحر عقد الأمان .. كان المكان الذي يذهب إليه الرجل في الفجر ليعود في المساء محملاً بما يكفي بيتاً بأكمله .. لم يكن الصياد بطلاً قومياً ، كان فقط أباً و كان البحر بالنسبة له ليس حدوداً سياسية بل موعد رزق .

اليوم تغير كل شيء و صار البحر شاهداً على رصاصة وعلى جثة وعلى صمت ..

آخرهم كان دماً جديداً أضيف إلى ماء البصرة .. شهيد سقط و هو يرمي شبكته و جريح حمل في جسده سؤالاً أكبر من الجرح .. لماذا..؟؟

بين الجيران هناك عقد غير مكتوب لا توقعه الحكومات ولا تودعه في الأمم المتحدة يسمى حق الجوار ..

لعقود طويلة تمسكنا بهذا العقد .

حتى حين كانت هناك تجاوزات صغيرة كنا نسميها سوء فهم ، و حتى حين كانت هناك إهانات يومية كنا نبلعها و نقول العلاقات أهم .

صبرنا بوازع الأخلاق و صبرنا بوازع التاريخ و صبرنا بوازع أن الماء الذي يجمعنا أكبر من الخلاف الذي يفرقنا .

 لكن الصبر حين يطول بلا مقابل يتحول إلى إذلال .. والحكمة حين تُفهم ضعفا تتحول إلى دعوة لمزيد من التجاوز ..!!

ما يحدث اليوم ليس سوء فهم ، هو إستهداف متعمد لصياد مدني أعزل بقارب خشبي و شباك ، بل هو قرار .. و قرار متكرر يعني سياسة ممنهجة .

الرصاصة التي أُطلقت على قارب الصيادين لم تقتل إنساناً فقط ، لقد قتلت فكرة ، قتلت فكرة أن الجار يمكن الوثوق به..!!

فالسيادة ليست علماً يرفع على مبنى .. السيادة هي أن ينام المواطن البسيط مطمئناً أن دولته ستسأل عنه إن غاب يوماً .. السيادة هي أن يخرج الصياد للبحر و هو يعلم أن هناك من سيحاسبه إن مُس شعرة منه .

لكن ماذا لو تحولت السيادة إلى ملف مؤجل..؟؟

و ماذا لو تحول دم المواطن إلى رقم في بيان إدانة روتيني..؟؟ .

حينها لا نستغرب أن يتمادى الآخر لأن الصمت في لغة الدول يعني شيئاً واحداً و هو أستمروا ..!!

إن ثمن الكارثة ليس فردياً لأن خلف كل شهيد منظومة كاملة تنهار ، خلفه بيت سينطفئ و أطفال سيتركون المدرسة وأم ستصبح المعيل و قرية بأكملها تعيش على البحر ستُجبر على الأختيار بين أمرين ، إما الجوع على اليابسة أو الموت في الماء ..!!

نحن لا نتحدث عن حادث .. نحن نتحدث عن قطع شريان كان يغذي آلاف العوائل .. و اليوم صار يغذي التردد و الخوف من المجهول .. لذلك ما نعلنه اليوم ليس إنفعال لحظة ، هو خلاصة تراكم .. هو تشريح لعلاقة ماتت إكلينيكياً و لم يبق إلا إعلان الوفاة ..!!؟؟

لقد طوينا صفحة حق الجوار .. طويناها ليس كرهاً ، طويناها لأن الطرف الآخر هو من مزقها بيديه حين أستبدل ميثاق حسن النية بطلقات الغدر ..!!

 لم نعد نطلب أخوة ولم نعد نراهن على جيرة .. نطلب الحد الأدنى الذي يطلبه أي إنسان و منها أحترام الحياة ، أحترام لقمة العيش و أحترام الحدود .

فإذا كان هذا كثيراً ..  فليعلم الجميع أننا دخلنا مرحلة جديدة ، لا تُدار بالعواطف ولا بالذكريات بل تُدار بالحقوق .. مرحلة تُكتب فيها قواعد التعامل من جديد و قواعدها الأولى هي من يريق الدم لا يطلب الود .

كلمتنا الأخيرة .. إن البصرة لم تكن يوماً مدينة ضعيفة ، فهي مشهود لها بالتميز و مدعاة فخر ولأهلها بالكرم و الجود و الشجاعة ، منذ كانت بداياتها ، ثم موقعها كميناء و بوابة ما بين الشرق و الغرب ، و كانت من يقرر من يدخل و من يخرج ، يقصدها القاصي والداني للعمل و العيش بها ، فالتاريخ يسجل و الذاكرة لا تنسى .

و أما تلك الحواجز التي رُسمت عنوة بالرصاص ، لن تبقى خطوطاً على الماء ، بل ستصبح جدراناً في القلوب لا يمكن تجاهلها..!!؟؟

لأن البادئ بالعدوان لا يلومن إلا نفسه ، لكون من زرع الحقد و الكراهية .. لا ينتظر أن يحصد الأمان ..!!


مشاهدات 44
الكاتب محمد الجوراني
أضيف 2026/07/14 - 4:07 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 11:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1172 الشهر 15143 الكلي 15920270
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير