الاقتصاد العراقي ولعنة الموارد
عمار ممدوح عبد القادر
لايزال الاقتصاد العراقي يعاني من احادية الجانب بأعتماده على الانتاج النفطي كركيزة اساسية بل الوحيدة في تمويل برامج التنمية والانفاق الاستثماري الحكومي في ظل ضعف وعدم مرونة الهيكل الانتاجي التصنيعي مما جعله اكثر عرضة للصدمات الخارجية الناجمة عن تذبذب اسعار النفط عالميا وخاصة في ظل ما تعانيه منطقة الشرق الاوسط من تحديات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي على المدى القصير والمتوسط والبعيد مما انعكس ذلك سلباً على عملية التخطيط الاقتصادي والمالي وما يرافقها من عدم امكانية تنفيذ برامجها السنوية التنموية.
لعنة الموارد(المرض الهولندي)
دخل مصطلح المرض - الداء الهولندي قاموس المصطلحات الاقتصادية على الصعيد العالمي منذ أكثر من 30 عاما، وأول من نشر المصطلح كان مجلةُEconomist البريطانية في أحد أعدادها الصادرة عام 1977، عندما تطرقت الى العلاقة الظاهرة بين ازدهار التنمية الاقتصادية بسبب وفرة الموارد الطبيعية وانخفاض قطاع الصناعات التحويلية (أو الزراعية) اذ اشارت المجلة الى تراجع قطاع التصنيع في هولندا بعد اكتشاف حقل كبير للغاز الطبيعي سنة 1959 وبسبب الاعتماد الكبير على ايرادات هذا المورد الطبيعي فقد اصاب الشعب الهولندي حالة من الكسل والتراخي الوظيفي والاتجاه للترف والراحة واستلاطف الانفاق الاستهلاكي البذخي وما رافق ذلك من بطالة مقنعة في الوظائف الحكومية، اضافة الى تفشي ظاهرة الإعاقة بين صفوف القوى العاملة، اذ أن العمال الهولنديين الذين فشلوا في البحث عن وظائف اكتشفوا أن استحقاقات العجز والإعاقة أفضل لهم ماديا من الاكتفاء باستحقاقات البطالة فكان نتائجها أن دفع الاقتصاد الهولندي ضريبة ذلك بعد أن أفاق على حقيقة نضوب الآبار التي استنزفها باستهلاكهِا غير المنتج فذهبت تسميتها في التاريخ الاقتصادي الى مايعرف بـ لعنة الموارد (المرض الهولندي) Dutch Disease
الاقتصاد العراقي
ضمن النموذج التنموي لخطة التنمية الوطنية 2024-2028 فقد تم اعتبار قطاع النفط قطباً تنمويا وممولاً للقطاعات الانتاجية ، اذ تمثل الهدف الاول والرئيسي بموجب الخطة زيادة انتاج النفط تدريجياُ للوصول الى (6.5) مليون برميل يوميا سنة 2028 بنسبة زيادة متوقعة ومستهدفة تبلغ(54.7%) مقارنة بالانتاج لعام 2023 والبالغ(4.2)مليون برميل يومياً ،مقابل ذلك فأن مؤشرات التوظيف واعداد القوى العاملة في القطاع الحكومي بموجب قانون المواة الاتحادية السنوية ترتفع بشكل سنوي،اذ ان عدد القوى العاملة في القطاع الحكومي لعام 2023 قد بلغ (4.074) مليون بنسبة زيادة تبلغ (24.9%) مقارنة بعام 2021 البالغة (3.263)مليون ، كما ان اعداد الاسرة المشمولة بشبكة الحماية الاجتماعية لعام 2023 بلغت (2.002) مليون اسرة بنسبة زيادة تبلغ (75%) مقارنة بسنة 2018 وفق بيانات خطة التنمية وهذه مؤشرات تشبه في الوصف اعراض الداء الهولندي، كما ان البيانات المستهدفة لغاية عام 2028 بموجب خطة التنمية لم تتطرق الى مؤشرات رقمية نحو زيادة او تقليص في الانفاق اوالاعداد للقوى العاملة وشبكة الحماية الاجتماعية وانما يخضع للارادة السياسية والحزبية التي كثيرا ما تستخدم هذا الانفاق للاغراض الانتخابية، لذا اصبح لزاماً الان في ظل الازمة المالية الحالية ان تكون رؤية الحكومة في مجال الترشيق والترشيد في الانفاق التشغيلي الاستهلاكي حازمة وقاطعة وتأسيس ما يعرف (صندوق الايام الصعبة) تسمح بادخار جزء من الوفورات في الايرادات النفطية لمواجهة ازمات السيولة النقدية التي اصبحت مستدامة يعاني منها الاقتصاد على مدى العشرة سنوات الماضية ولايزال يعاني منها