العراق على خط التماس: هل هو توتر إقليمي أم مقدمة لصراع أكبر؟
فريدة الحسني
يقف العراق اليوم في منطقة دقيقة بين احتواء التوترات الإقليمية والانزلاق إلى صراع أوسع، بينما يراقب العراقيون المشهد بذاكرة مثقلة بالحروب
في الشرق الأوسط، نادرا ما يكون التصعيد مجرد حدث عابر، فكلما ارتفعت حرارة التوترات في المنطقة تتجه الأنظار سريعا نحو العراق، البلد الذي تبدو جغرافيته وكأنها تقف دائما على خطوط التماس بين القوى المتنافسة
اليوم يعود السؤال الذي يطرحه كثير من العراقيين بقلق واضح: هل يقف العراق مرة أخرى على أعتاب حرب جديدة، أم أن ما يجري ليس أكثر من موجة توتر إقليمي ستبقى ضمن حدود التصعيد المحسوب؟
القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أن المنطقة تمر بمرحلة توتر مرتفع، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الحرب الشاملة. ومع ذلك، فإن تاريخ المنطقة يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائما بقرارات واضحة، بل أحيانا بسلسلة من الحسابات الخاطئة التي تتراكم تدريجيا حتى تصل إلى نقطة الانفجار، وهنا تحديدا يكمن القلق العراقي.
ذاكرة الحرب في المجتمع العراقي
المجتمع العراقي يتابع هذه التطورات بعين مختلفة عن كثير من شعوب المنطقة، لأن الحرب بالنسبة للعراقيين ليست احتمالا نظريا، بل تجربة معاشه في الذاكرة القريبة فمنذ ثمانينيات القرن الماضي لم يعرف العراق فترة استقرار طويلة، فقد عاشت البلاد الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، ثم جاءت حرب الخليج وما تبعها من سنوات الحصار القاسية في التسعينيات قبل أن يدخل العراق مرحلة جديدة من الاضطراب بعد عام 2003
ومع ظهور تنظيم داعش وما رافقه من حرب شرسة لاستعادة المدن العراقية، وجد المجتمع نفسه مرة أخرى أمام اختبار قاس ترك آثارا عميقة في الاقتصاد والبنية الاجتماعية والنفسية
هذه التجارب المتراكمة جعلت العراقيين أكثر حساسية تجاه أي توتر إقليمي، فمجرد ارتفاع مستوى الخطاب السياسي أو وقوع ضربات عسكرية في المنطقة يعيد إلى الذاكرة صورا لم تختف من الوعي الجمعي، مدن أعيد إعمارها بعد الدمار، عائلات فقدت أبناءها وأجيال نشأت في ظل القلق وعدم اليقين.
ولهذا يراقب كثير من العراقيين ما يجري حولهم بقلق حذر، مدركين أن جغرافية بلدهم كثيرا ما جعلته يقف في قلب العاصفة حتى عندما لا يكون طرفا مباشرا في الصراع
العراق في قلب معادلات الشرق الأوسط
لكن القلق العراقي لا يرتبط بالذاكرة وحدها، بل بالجغرافيا أيضا فالعراق يقع في نقطة التقاء استراتيجية بين إيران وتركيا وسوريا والأردن ودول الخليج، هذا الموقع جعله عبر التاريخ أحد أهم مفاصل التوازن في الشرق الأوسط
إلى جانب ذلك يمتلك العراق واحدا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، الأمر الذي يمنحه أهمية كبيرة في معادلات الطاقة العالمية، فاستقرار العراق لا يخص العراقيين وحدهم، بل يرتبط مباشرة باستقرار سوق الطاقة والتوازنات الاقتصادية في المنطقة
هذه المعطيات تجعل العراق لاعبا مهما في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لكنها في الوقت نفسه تجعله أكثر عرضة لتأثيرات الصراعات الإقليمية فحين تتصاعد المنافسة بين القوى المختلفة في المنطقة غالبا ما ينعكس جزء من هذا التوتر داخل الساحة العراقية
ولهذا لم يكن العراق يوما دولة هامشية في خريطة الشرق الأوسط، بل كان في كثير من الأحيان أحد مفاتيح التوازن فيه
بين ساحة للصراع ودولة للتوازن
التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية اندلاع حرب جديدة، بل بالدور الذي يمكن أن يلعبه في المنطقة خلال السنوات القادمة فالعراق يستطيع أن يبقى ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين كما حدث في مراحل مختلفة من تاريخه الحديث لكن في المقابل يمتلك فرصة مختلفة، أن يتحول إلى دولة توازن قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية بطريقة تحمي استقرارها الداخلي وتجنبها الانجرار إلى صراعات الآخرين
تحقيق هذا التحول يتطلب بناء مؤسسات قوية وتعزيز الاستقرار السياسي وخلق بيئة تسمح للدولة بالتركيز على التنمية الاقتصادية بدل الانشغال بالأزمات المتكررة، فالعراق يملك من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي ما يؤهله لأن يكون عنصر استقرار مهم في الشرق الأوسط إذا تمكن من استثمار هذه المقومات بطريقة تعزز استقلال قراره السياسي.
اخيرا
ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كان العراق مقبلا على حرب جديدة، بل ما إذا كان سيتمكن أخيرا من كسر الحلقة التي جعلته لعقود يقف دائما قريبا من خطوط التوتر في المنطقة فالعراق الذي أنهكته الحروب يمتلك في الوقت نفسه فرصة مختلفة، أن يحول موقعه الجغرافي من سبب للأزمات إلى مصدر للتوازن والاستقرار
والفارق بين هذين المسارين لن يحدد مستقبل العراق وحده، بل قد يرسم أيضا ملامح توازن الشرق الاوسط في السنوات القادمة.