الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إبتسم أمام ريشة الرسّام.. العراق في زمن إعادة رسم المنطقة

← بواسطة azzaman

إبتسم أمام ريشة الرسّام.. العراق في زمن إعادة رسم المنطقة

كامل كريم الدليمي

 

ليس كل وقتٍ هو وقتُ المواجهة، وليس كل معركةٍ يجب أن ندخلها، وليس كل طرفٍ في صراعٍ إقليمي يمكن أن نكون جزءًا منه.

هذه حقيقة ينبغي أن نتوقف عندها ونحن نراقب ما يجري حول العراق.

فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتعقيدًا. توترات وحروب تمتد من إيران إلى الولايات المتحدة، ومن سوريا إلى لبنان واليمن، ومن الخليج إلى العراق، فيما تتغير التحالفات وتتبدل الحسابات وتُعاد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا إقليميًا انعكست آثاره على أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة، بما يؤكد أن المنطقة ما زالت تعيش مرحلة شديدة الحساسية.

وفي خضم هذه اللوحة، أين يقف العراق؟

ربما علينا أن نعترف بشجاعة بأن العراق لم يصل بعد إلى مرحلة الوحدة الوطنية التي تجعله قادرًا على مواجهة كل هذه العواصف من موقع الدولة المتماسكة صاحبة القرار الواحد.

التقاط الانفاس

أقولها بصورة رمزية: ابتسم أمام ريشة الرسّام.

ليس المقصود أن يستسلم العراق، ولا أن يتنازل عن سيادته، ولا أن يتخلى عن مصالحه، بل أن يعرف متى يتقدم ومتى يتريث، ومتى يكون الصمت السياسي أكثر حكمة من الدخول في معركة لا يمتلك أدواتها.

لقد دفع العراق ثمنًا باهظًا من الحروب والانـــــقلابات والصــــــراعات الـــــــداخلية والخارجية على مدى عقود طويلة.

ومنذ قيام الجمهورية عام 1958، تعاقبت عليه تحولات سياسية وانقلابات وصراعات أيديولوجية عميقة، وصولًا إلى عقود الحروب والعقوبات ثم سقوط النظام عام 2003.

ويمكن للعراقي أن ينظر إلى هذه المسيرة الطويلة بوصفها سلسلة من المراحل التي تصارعت فيها مشاريع وطنية وقومية وأيديولوجية وإقليمية ودولية، وتبدلت خلالها مراكز القوة وشكل الدولة واتجاهاتها.

لكن السؤال الأهم ليس: من كان على حق في كل مرحلة؟

السؤال الأهم اليوم هو: ماذا تعلمنا؟

تعلمنا أن العراق عندما يكون منقسمًا، يصبح ساحةً لصراعات الآخرين.

وتعلمنا أن الدولة التي لا تمتلك قرارًا وطنـيًا موحدًا تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع أزمات أكبر من قدرتها على الاحتمال.

وتعلمنا، قبل كل شيء، أن العراق لا يستطيع أن يبني مستقبله إذا بقي العراقيون ينظرون إلى الدولة من خلال المذهب أو القومية أو الدين أو المصالح الشخصية والحزبية.

فمتى يكون هناك رجلٌ يدافع عن المذهب، ورجلٌ يدافع عن القومية، ورجلٌ يدافع عن الحزب، ورجلٌ يدافع عن مصالحه، من يبقى ليدافع عن العراق؟

هذه هي المشكلة الحقيقية.

العراق بحاجة إلى إعادة تعريف فكرة الدولة.

نحن بحاجة إلى دولة يكون فيها العراقي أولًا، قبل المذهب والقومية والحزب والانتماء السياسي.

وبحاجة إلى حكومة وطنية تستند إلى الكفاءة والمسؤولية، وإلى مؤسسات دولة قادرة على اتخاذ القرار، وإلى جيش وطني بعقيدة وطنية، يحمي الحدود والسيادة ولا يكون طرفًا في الصراعات السياسية.

نحن بحاجة أيضًا إلى عقيدة وطنية جديدة؛ عقيدة لا تلغي الدين ولا المذهب ولا القومية، لكنها تضع الجميع تحت سقف الوطن.

فالقومية والدين والمذهب جزء من هوية المواطن، ووجدانه، لكن الدولة هي الإطار الذي يحمي الجميع.

ومن هنا، فإن السياسة الخارجية العراقية في هذه المرحلة تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة.

لا يستطيع العراق اليوم أن يتصرف وكأنه يمتلك القدرة على إدارة صراعات المنطقة كلها. وليس من مصلحة العراق أن يتحول إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.

العراق يحتاج إلى سياسة تقوم على حماية مصالحه أولًا، واحترام سيادته، وعدم تحويل أراضيه إلى منصة لاستهداف الآخرين، وعدم السماح في الوقت نفسه بتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات.

قد تكون المرحلة المقبلة بحاجة إلى هدوء محسوب.

هدوء لا يعني الضعف.

وتوازن لا يعني الحياد عن مصالح العراق.

وابتسامة لا تعني الاستسلام.

بل تعني أن العراق يريد أن يمنح نفسه الوقت الكافي ليلتئم جرحه الداخلي، ويرتب بيته، ويعيد بناء مؤسساته، ويستعيد ثقته بنفسه.

فالعراق الذي خرج من عقود طويلة من الحروب والصراعات لا يحتاج اليوم إلى حرب جديدة، بقدر حاجته إلى مشروع وطني جديد.

مشروع يعيد بناء الدولة.

ويعيد الاعتبار للمؤسسة العسكرية. ويضع السلاح تحت سلطة الدولة. ويحارب الفساد ويحمي الاقتصاد ويعيد بناء التعليم والصحة والخدمات ويخلق علاقة متوازنة مع دول الجوار والمجتمع الدولي.

وعندما يصبح للعراق جيش وطني قوي، ومؤسسات دولة راسخة، واقتصاد قادر، وحكومة تمتلك قرارها، وشعب يشعر أن الدولة تمثله وتحميه، عندها فقط يستطيع العراق أن يتحدث بصوت مسموع في قضايا المنطقة.

أما اليوم، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نتصرف وكأننا أقوى مما نحن عليه.

العراق لا يحتاج إلى أن يثبت شجاعته بالدخول في كل معركة.

أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية هي أن تعرف متى تدخل المعركة، ومتى تؤجلها، ومتى تحمي بلدك من أن يصبح جزءًا من معركة لا تخدم مصالحه.

لقد كانـــــت المنطقة، عبر تاريخها الحديث، مسرحًا لصراعات دولية وإقليمية متشابكة، وكان العراق في كثير من الأحيان في قلب هذه التحولات.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل سياسي مختلف.

لا عقل المحاور. ولا عقل الطوائف. ولا عقل القوميات. ولا عقل الأشخاص.

بل عقل الدولة.

ربما تكون مهمتنا الآن أن نبتسم أمام ريشة الرسّام، لا خوفًا منها، وإنما لأننا نريد أن نمنح العراق فرصة لكي يخرج من اللوحة التي رُسمت له طوال عقود، ويبدأ هو برسم لوحته بنفسه.

لوحة عراقية لا يرسمها الآخرون.

ولا تحدد ألوانها الصراعات الإقلــــــــيمية. ولا تــــــتحكم بخطوطها المصالح الخارجية بل يرسمها العراقيون، بعقيدة وطنية واحدة، ودولة واحدة، وجيش واحد، وقرار وطني واحد.

فالعراق لا يحتاج اليوم إلى معركة جديدة…

العراق يحتاج إلى أن يستعيد نفسه.

وعندما يستعيد العراق نفسه، ســــــــــيكون له حينها رأي، وستكون له رؤية، وسيكون قادرًا على أن يقول للعالم، بثقة لا بانفعال:

هذه لوحتنا… وهذه ألواننا… وهذا العراق الذي نريد .

 

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 19
الكاتب كامل كريم الدليمي
أضيف 2026/09/27 - 3:00 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 1:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 47396 الكلي 16579916
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير