الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أزمة إدارة أم أزمة مياه ؟..  فيضانات أربيل وعطش الجنوب

← بواسطة azzaman

أزمة إدارة أم أزمة مياه ؟..  فيضانات أربيل وعطش الجنوب

جمعة الدراجي

 

يمثل تقويم الجريانات الفيضية المتكررة في أغلب مناطق إقليم كردستان، وتحديداً في محافظة أربيل وما تسببه من أضرار بشرية ومادية جسيمة، عرضاً لخطأ بنيوي أعمق يتمثل في عدم اكتمال السدود الكبيرة ذات الطاقات الخزنية العالية والتصاريف الكبيرة، والتي تخطط لها الدولة العراقية منذ تأسيسها، وعلى رأسها سد بخمة الذي لم يُنجز منه سوى 35 بالمئة إلى جانب عدد من السدود الاستراتيجية الأخرى قيد الإنشاء مثل سد منداوة.

الخطأ الاستراتيجي المتكرر يكمن في نظرة صانع القرار المتقوقعة التي تحصر إنشاء السدود في دعم القطاع الزراعي المحلي فحسب، متناسين أولاً أن العراق وحدة هيدرولوجية متكاملة تمتد من الشمال إلى الجنوب، وأن الغرض الأساسي الثاني للسدود هو درء الفيضانات. وإلى جانب السدود الكبرى، توجد حاجة ملحة لسدود صغيرة وإجراءات هندسية تسبق الأودية والمجاري المائية، كالتسليك المستمر، وتطهير مجاري السيول، وإنشاء أنفاق تحت المرتفعات مزودة بوابات تحكم مسيطر عليها لتوجيه المياه بعيداً عن المناطق المأهولة بالسكان والمزروعات، نحو مناطق الخزن الاستراتيجي.

لقد اقترح المهندسون والفنيون العراقيون منذ عقود مشاريع إروائية ذات أبعاد مزدوجة: درء الفيضان أولاً، وتأمين طاقة خزنية للإرواء في أشهر الجفاف ثانياً. إلا أن التعاقب الحكومي أبعد تلك المشاريع عن جداول التنفيذ، ليحصد الشعب العراقي اليوم آثار الخراب والدمار بدلاً من بناء منظومة وطنية راسخة لحصاد المياه، نتيجة لعقود من السياسات الهامشية التي ينخرها الفساد وتغيب عنها الرؤية الوطنية الموحدة.

أبرز السدود المعطلة

 سد بستورة: يقع شرق مدينة أربيل، وكان من المفترض أن يلعب دوراً محورياً في الحماية.

سد منداوة: جرت حوله تفاهمات سابقة مع الحكومة الاتحادية لكنه بقي حبراً على ورق.

سدود قضاء كويسنجق (كويا): إضافة إلى سدود صغيرة متفرقة في الحدود الإدارية لمحافظة أربيل والتي كان اكتمالها كفيلاً بدرء الكارثة عن المدينة.

سد بخمة: «البعبع» السياسي وسيد الفرص الضائعة  ليأتي في صدارة هذه المشروعات سد بخمة (Bekhme Dam)، الذي يُعد من أضخم السدود في  عالمياً. كان يُصنف حتى عام 2006 رابع أكبر سد في العالم من حيث الطاقة الخزنية (وتراجع لاحقاً إلى المركز السادس).

تعطل هذا المشروع لأسباب سياسية بحتة، وتم توظيفه ورقة خلافية إضافية بين بغداد وأربيل. وللأسف، فإن طمر معالمه عبر افتتاح مشاريع جانبية في محيطه أبعده فعلياً عن خارطة السدود العالمية الكبرى، على الرغم من أن إحداثياته الجيولوجية مسجلة لدى هيئة السدّد العالمية باعتباره من جيل من السدود المهمة .

المقارب في  الصورة العالمية، يشبه سد بخمة تاريخياً سد هوفر (Hoover Dam) في الولايات المتحدة الأمريكية، الواقع على نهر كولورادو على الحدود بين ولايتي نيفادا وأريزونا، والذي أُقيم عام 1936  بعد نزاعات قضائية طويلة بدأت منذ عام 1922 لحسم الحصص المائية بين الولايات الجنوبية الأمريكية وحتى ولاية مكسيكو في المكسيك. كما أن سد بخمة ينافس من حيث الكتلة الكونكريتية سد الممرات الثلاثة في الصين، والذي يُعد الضخم عالمياً لدرجة أن ضخامته أثرت طفيفاً على سرعة دوران الأرض حول نفسها.(0،006)من اجزاء الثانية '

إلا أن سد بخمة تحول في العراق إلى «بعبع سياسي» لا يجرؤ أي مسؤول على الخوض فيه بتصريح إعلامي ، لتظل المدن الكردستانية غافية تحت رحمة صراعات سياسية تفتقر إلى الإرادة والحزم.

لتأتي اليوم المفارقة المأساوية: الغرق في الشمال.. والعطش في الجنوب ، وفي الوقت الذي تعاني فيه أربيل ومرتفعاتها من وطأة الموجات الفيضية المدمرة، تشهد محافظة ميسان في أقصى الجنوب العراقي (مناطق الذنائب) مفارقة ؛ إذ تتواجد فرق تابعة للهيئة العامة لتشغيل وصيانة مشاريع الري لفرض إطفاء المضخات الزراعية ومنع تشغيلها، حتى تلك التي تعتمد عليها قرى نائية لتأمين مياه الشرب بسبب غياب البنى التحتية البلدية، بحجة أن الوزارة غير معنية بتوفير مياه الشرب بل بالقطاع الزراعي فحسب!

إن التناقض الصارخ بين فيضانات الشمال وعطش الجنوب يعكس بوضوح أزمة إدارة الموارد المائية في العراق، حيث تتداخل العشوائية السياسية مع غياب التخطيط العلمي، ليظل المواطن العراقي وحده يدفع الثمن من أمنه واستقراره ومستقبله المائي.

سجالات سياسية

لإنهاء النزيف المادي والخسائر البشرية المتكررة نتيجة موجات الفيضان شمالاً وتفادي جفاف الجنوب، يتوجب على السلطات الاتحادية وحكومة الإقليم تجاوز السجالات السياسية وتبني استراتيجية هندسية موحدة عبر الخطوات التالية:

1. إعادة تفعيل المشاريع الاستراتيجية المعطلة (سد بخمة ومنداوة):

- تشكيل لجنة هندسية مشتركة (اتحادية-إقليمية) لإعادة تقييم الدراسات الجيولوجية والفنية لـ سد بخمة وسد منداوة، واستئناف العمل بهما برؤية وطنية شاملة تخدم منظومة الري الوطنية بأكملها ولا تقتصر على النطاق المحلي.

2. إنشاء منظومة متكاملة لـ «حصاد المياه» وربط الأودية:

نقطة تعداد التعجيل بإكمال السدود الصغيرة والاستراتيجية (سد بستورة وسدود كويسنجق والأودية الحدودية) لدرء أخطار السيول عن المدن المأهولة.

نقطة تعداد إحداث أنفاق ومجاري تحويلية مسيطر عليها بوابات هيدروليكية أسفل المرتفعات والأودية، لربط مياه الأمطار بمناطق الخزن الاستراتيجي بدلاً من تركها تجرف الممتلكات وتضيع هباءً.

3 الصيانة الدورية والتأهيل الميداني للشبكة:

نقطة تعداد إدراج مشاريع التطهير والدعم الدوري للأودية والجداول المائية ضمن موازنات تشغيلية ثابتة، لمنع انسداد المسارات الطبيعية للمياه أثناء العواصف المطيرة.

1. تحديث إدارة الموارد المائية وتحقيق الموازنة الشمالية-الجنوبية:

 -ربط إدارة السدود والمخازن المائية في الشمال بشبكة التوزيع والتغذية في الجنوب عبر مركز تحكم وطني موحد، يضمن استغلال الفائض الفيضي في تغذية أهوار الجنوب والمناطق الجافة، بدلاً من اتخاذ إجراءات قسرية بحظر المياه عن القرى النائية ومضخات الشرب في محافظات مثل ميسان.

-فصل الملف المائي عن المناكفات السياسية.

-  منح الهيئة العامة للسدود وإدارات الموارد المائية .

-الاستقلالية التامة عن التجاذبات السياسية، والتعامل مع الملف المائي باعتباره قضية أمن قومي وحياة لا يقبل المساومة أو التعطيل.


مشاهدات 53
الكاتب جمعة الدراجي
أضيف 2026/11/08 - 3:49 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 11:49 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2085 الشهر 17146 الكلي 16667680
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير