مدينةٌ تحفظ ذاكرة الفتح
نوري جاسم
ليست كل المدن تُقرأ من خلال خرائطها، فبعضها لا يُفهم إلا إذا سرت في طرقاتها، وأصغيت إلى حكايات أهلها، وتأملت ما اختزنته أرضها من ذكريات القرون. ومن هذه المدن مدينة البهنسا في محافظة المنيا، التي عُرفت منذ زمن بعيد باسم «البقيع الثاني» أو «بقيع مصر»، لما ارتبط بها من تاريخ إسلامي وروحي جعلها مقصدًا للزائرين والباحثين عن عبق الماضي. وفي العاشر من تموز/يوليو 2026، كان لي شرف زيارة هذه المدينة التي لم أكن أعرف عنها إلا القليل، لكنني غادرتها وأنا أشعر أنني زرت صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي ما زالت حية في وجدان أهلها. تتوزع في البهنسا مقامات تُنسب إلى عدد من الصحابة والتابعين وآل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويتناقل أهلها أخبارهم جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت المدينة أشبه بمتحف مفتوح يروي للزائر قصة الفتح الإسلامي لمصر، ويستحضر سير رجال ونساء تركوا بصماتهم في تاريخ الأمة.
ولعل أكثر ما شد انتباهي ليس كثرة المقامات، بل حالة السكينة التي تغمر المكان، والاحترام الذي يبديه الناس لتاريخهم، وحرصهم على أن تبقى هذه الذاكرة حاضرة في نفوس الأجيال. فهناك لا يشعر الإنسان أنه يزور معالم أثرية جامدة، بل يعيش تجربة روحية تلامس القلب، وتدعوه إلى التأمل في معاني التضحية والإيمان والثبات. كما زرنا الموضع الذي تتوارث الأجيال أنه من الأماكن التي مرت بها السيدة مريم العذراء عليها السلام مع السيد المسيح عليه السلام أثناء رحلتهما في أرض مصر، وهو ما يعكس خصوصية هذا البلد الذي احتضن على مر العصور محطات مضيئة في تاريخ الرسالات السماوية. وإذا كان التاريخ قد منح البهنسا مكانتها، فإن أهلها هم الذين منحوا رحلتنا معناها الإنساني. فقد وجدنا في وجوههم بشاشة صادقة، وفي كلماتهم محبة خالصة، وفي ضيافتهم صورة مشرقة لأخلاق أهل الصعيد، الذين ما زالوا يحافظون على قيم الكرم والأصالة. وكان من دواعي سرورنا أن نستضيف عند الأخ الكريم أبي أحمد في إحدى قرى بني مزار، حيث اجتمعنا على مائدة المحبة قبل الطعام، وتبادلنا الحديث عن التاريخ والعلم والثقافة، ثم ختمنا رحلتنا بأداء صلاة الجمعة مع أهل القرية، في مشهد إيماني يبعث في النفس الطمأنينة ويؤكد أن وحدة المسلمين تتجلى في بيوت الله كما تتجلى في صدق المودة بين الناس. وإن البهنسا ليست مجرد مدينة أثرية، بل رسالة مفتوحة إلى كل من يريد أن يقرأ التاريخ بعين القلب قبل عين البصر. فهي شاهد على صفحات مضيئة من تاريخ الإسلام في مصر، ودعوة إلى الاهتمام بهذا الإرث الحضاري، وصونه، والتعريف به، ليبقى حيًا في ذاكرة الأمة، وليعلم العالم أن في أرض الكنانة كنوزًا لا تقدر بثمن، تنتظر من يكتشفها ويعيد تقديمها للأجيال القادمة.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه الرحلة أن التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما يعيش أيضًا في الأمكنة، وفي الناس، وفي القلوب التي تحفظ الوفاء لمن سبقها، وتورثه لمن يأتي بعدها. وصلى الاه على سيدنا محمد الوصف وغلوحي والرسالة والحكمة وعلى ال٧ وصحبه وسلم تسليما ..