الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قرارات العفو للبيع

بواسطة azzaman

قرارات العفو للبيع

شوقي كريم حسن

 

حين تُقاس العدالة بعدد الأوراق النقدية، يصبح القانون شاهد زور.

استيقظت العدالة هذا الصباح تبحث عن ميزانها… فلم تجده.قيل لها: لا تتعبي نفسك، لقد استبدلوه بآلة عدّ النقود!

صار القانون يبتسم لمن يملك المليارات، ويعبس في وجه من لا يملك أجرة الحافلة. أصبح للسجن تسعيرة، وللحرية فاتورة، وللضمير… مزاد علني.تخيلوا المشهد…يدخل صاحب النفوذ إلى شباك الخدمة بابتسامة واثقة:– كم بقي من محكوميتي؟

فيرد الموظف:– سنوات طويلة… لكن لا تقلق، أحضر المبلغ، وسنختصر الزمن!

أما المواطن البسيط، فيقف في الطابور نفسه، يحمل ملفاً ممزقاً وعيوناً متعبة، فيُقال له:– القانون فوق الجميع

لكنه يلتفت، فيرى أن “الجميع” ليسوا سواء.في وطنٍ يُفترض أن تكون العدالة فيه عمياء، يبدو أنها أصبحت ترى الأرصدة البنكية بوضوح مذهل… بينما تعجز عن رؤية الفقراء.أي قانونٍ هذا الذي يجعل المال ممحاةً للأحكام، بينما يبقى الضعيف أسيراً لنصوصٍ لا تلين؟

إن صحّ ذلك، فليُكتب على أبواب المحاكم:—العدالة مجانية… أما الحرية فلها أسعار مختلفة.

وهنا تبدأ المأساة، لا لأنها تُضحك، بل لأنها تُضحك حتى البكاء.ثم خرجت العدالة من المحكمة، وجلست على الرصيف تبكي.اقترب منها طفلٌ صغير وسألها:– لماذا تبكين؟

قالت:– لأنهم أقنعوا الناس أنني ما زلت هنا… بينما أنا غادرت منذ زمن.

في المدينة ، هناك اللافتات تتحدث عن هيبة الدولة، لكن الأرصفة كانت تهمس بحقيقة أخرى:—إذا كان المال يستطيع شراء الأيام، فغداً سيشتري الشهور، وبعد غدٍ سيشتري السنين، ثم لن يبقى من العقوبة إلا اسمها في كتب القانون.

يا سادة

بطاقة مصرفية

السجن ليس فندقاً تُدفع فاتورته عند المغادرة.والحكم ليس اشتراكاً شهرياً يمكن تسويته ببطاقة مصرفية.

والعدالة ليست سلعةً تُباع بالكيلو أو بالمزاد.قال أحد الحكماء ساخراً:

قديماً كانوا يقولون: القانون لا يحمي المغفلين…أما اليوم فيبدو أنهم يريدون أن يقولوا: القانون لا يعاقب المقتدرين.

لم يضحك أحد…لأن النكتة  أكبر من قدرة الضحك.تخيلوا محكمة في المستقبل…يقف القاضي ويسأل المتهم:– هل أنت مذنب؟

فيجيب بثقة:– قبل أن أجيب… كم يبلغ سعر البراءة؟

يهمس المحامي في أذنه:– لا تقلق… لكل مادة سعر، ولكل حكم تخفيض، والمواسم مليئة بالعروض! تصفق الأوراق النقدية، بينما ينسحب القانون بهدوء من القاعة، لأنه أدرك أنه أصبح مجرد ديكور. أما الفقير…ذلك الذي أخطأ مرة، أو تأخر في دفع دين، أو عجز عن توكيل محامٍ بارع…فلا يجد من يشتري عنه يوماً واحداً من ألمه.يبقى يحصي الليالي على جدار الزنزانة، بينما غيره يحصي الأرباح خارجها.وهكذا ينقسم الوطن إلى وطنين:وطنٍ تُفتح أبوابه بالمفاتيح…ووطنٍ تُفتح أبوابه بالشيكات.أخطر ما في الأمر ليس خروج هذا أو بقاء ذاك…بل أن يفقد الناس إيمانهم بأن القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع.الدولة لا تُهزم حين يقل المال…بل تُهزم حين يشعر المواطن أن العدالة أصبحت امتيازاً، وليست حقاً.عندها لن يسأل الأب أبناءه: ماذا تصبحون عندما تكبرون؟

بل سيسألهم:—كم يجب أن تملكوا… حتى تصبح القوانين أليَن من الشمع؟

هذه ليست حكاية عن العفو…بل عن معنى العدالة.وليست صرخة ضد شخص…بل ضد فكرةٍ تقول إن العقوبة يمكن أن تُوزن بالمال.فإذا أصبح المال أقوى من النص، والنفوذ أعلى من المبدأ، فلن يبقى للوطن سوى قاعات محاكم جميلة… وعدالة غائبة.وساعتها، لن يحتاج الظلم إلى أن يختبئ…لأن الناس ستعتاد رؤيته حتى تظنه قانوناً.بهذه الصورة يبقى النص ساخراً وقوياً، مع تجنب الجزم بصحة ادعاءات قانونية محددة لم تُثبت.ليس أخطر على الأوطان من أن يفقد المواطن ثقته بأن العدالة تقف على باب الجميع بالمسافة نفسها.

فالفقير لا يطلب قانوناً يجامله، والغني لا يُحرم من حقوقه، وإنما يطلب الناس جميعاً قانوناً لا يعرف الأسماء، ولا الألقاب، ولا الأرصدة، بل يعرف الحقيقة وحدها.وحين تصبح العدالة محل سؤال، يصبح الوطن كله في قفص الاتهام.القوانين تُكتب بالحبر… لكنها تُحفظ في ذاكرة الشعوب بالإنصاف.وإذا مات الإنصاف، فلن تُحييه آلاف المواد القانونية.ويبقى السؤال معلقاً في ضمير كل مسؤول وكل مشرّع وكل مواطن:—هل نريد قانوناً يحكم الناس… أم مالاً يحكم القانون؟

ذلك هو السؤال…وذلك هو الوجع.

 

 


مشاهدات 66
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/07/13 - 4:11 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 2:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 177 الشهر 14148 الكلي 15919275
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير