الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خمسة ملفّات في واشنطن وإمتحان واحد لموقع العراق

بواسطة azzaman

من دفتر الأستاذ إلى كتاب السيادة

خمسة ملفّات في واشنطن وإمتحان واحد لموقع العراق

كاظم نزار الركابي

 

غادر رئيس الحكومة بغداد اليوم الاثنين، استعدادًا لزيارة تبدأ رسميًا في واشنطن يوم الأربعاء. وبين المغادرة وبدء المحادثات، لا تقاس المسافة بساعات الطيران وحدها. على متن الطائرة رجل أمضى شطرًا من عمره يقرأ العالم في عمودين: الأصول يمينًا، والخصوم يسارًا. تعلّم أن لكل رقم ما يوازنه، وأن الدفتر يُغلَق حين تتساوى أطرافه. يحمل الآن هذا العقل المحاسبي إلى مدينة تقرأ ما وراء الأرقام. واشنطن تقرأ الخرائط، وتراقب المحاور، وتسأل مَن يقف أين، ولحساب مَن.المسافة الأبعد تمتد بين لغة توازن الأرقام ولغة ترسم مواقع النفوذ. هناك تنعقد أخطر ساعة في المرحلة العراقية الجديدة. المطار ذاته الذي ودّع رؤساء قبله، ودّع هذه المرة رجلًا يحمل حقيبة من طراز مختلف: حقيبة أرقام إلى مأدبة خرائط.الزيارة الأولى لرئيس الحكومة الجديد إلى واشنطن تتجاوز مقتضيات البروتوكول. إنها امتحان تعريف بالذات أمام أقوى طاولة في العالم. الطاولة لا تنتظر جدول أعمال. تنتظر جوابًا.

خمسة ملفات وسؤال واحد

تُقدَّم الزيارة في بغداد من خلال خمسة ملفات: سلاح الفصائل، وخروج التحالف الدولي المقرر مع نهاية أيلول، ودخول الشركات الأميركية، وتطوير القطاع المصرفي، وقطع الطريق على استفادة إيران من المال العراقي. تبدو هذه الملفات بنودًا تقنية قابلة للتفاوض، كأنها فقرات في عقد تجاري يُدار بمنطق الربح والخسارة.الحقيقة أعمق من جدول الزيارة. السلاح سؤال عن مركز القرار. خروج التحالف سؤال عن شكل الهندسة الأمنية المقبلة. الشركات والمصارف سؤال عن المدار الاقتصادي. حركة المال إلى إيران سؤال عن موقع العراق في معادلة إقليمية دقيقة. خلف البنود الخمسة يقف سؤال واحد: أين يتموضع عراق ما بعد الحرب؟في قلب الملفات يقبع ملف يحكمها جميعًا: السلاح خارج الدولة. منه يبدأ سؤال استقلال القرار، وإليه تعود بقية الأسئلة. خروج التحالف قد يفتح فراغًا أمنيًا ما لم يسبقه ترتيب عراقي مكتمل، ومَن يسبق إلى شغل الفراغ يقترب من امتلاك القرار. أما الخيط الاقتصادي، فيحمل في داخله مضمونًا سياسيًا لا تخطئه العين. المال لا يتحرك بعيدًا عن خرائط النفوذ. الاستثمار لا ينفصل عن حسابات الموقع. تلتقي الخيوط عند عقدة واحدة: استقلال القرار العراقي. مَن يحلّ هذه العقدة لا ينجح في زيارة عابرة. يشارك في كتابة مستقبل الدولة.

دبلوماسية دفتر الأستاذ

في واشنطن رئيس يفكر بمنطق الصفقة ويقيس العلاقات بحجم المكاسب. وفي بغداد رئيس وزراء صاغته المصارف والأرقام، ويجيد قراءة المصالح وكُلف البدائل. يلتقي المنطقان، فينشأ شعور بالتفاهم: نحن نتكلم اللغة ذاتها. هنا تبدأ دقة الامتحان. التشابه يسهّل التفاوض. التشابه نفسه يحجب تفاوت القوة بين طرفيه. في التفاوض بين قوة عظمى ودولة تسعى إلى استرداد قرارها، لا يتساوى الحدّان.  القوي يفاوض على ترتيب إقليمي، والطرف الآخر ينشغل بعقد أو استثمار أو تسهيل مالي. الأول يعرف أنه يعيد تشكيل موقع.

والثاني قد يظن أنه يحسّن شروط معاملة.

 

منطق الرابح–الرابح يمنح المفاوض مرونة ثمينة. المرونة وحدها لا تغني عن خط سيادي يعرف مسبقًا أين تنتهي المقايضة ويبدأ الموقف. الاقتصاد يتيح تقسيم المنافع. هوية الدولة لا تقبل القسمة. العقود تُرحَّل إلى جولة مقبلة. المواقف المؤجلة تترك فراغًا يملؤه الآخرون.

حين تعرض قوة عظمى على دولة أصغر صفقة، يسبق ثمنها السياسي قيمتها الاقتصادية. ما يبدو معاملة في الأوراق يتحول إلى موقع في خرائط النفوذ. تُدفَع قيمة السلعة بالأرقام، ويُقبض ثمن الانحياز من رصيد القرار.

ذلك هو المحذور الكامن في دبلوماسية دفتر الأستاذ: أن تفاوض على البنود منفردة، وتغفل أن الطاولة كلها بند واحد اسمه السيادة.

الاستثمار حق، والرخاء حاجة وطنية، والانفتاح على الشركات الكبرى فرصة لا تُبدَّد. الرخاء المصون بحرية القرار مكسب. الرخاء الذي يرهن القرار دين سياسي طويل الأمد. تاريخ العلاقات الدولية مزدحم بعقود بدت اقتصادية في عناوينها، ثم كشفت عن مضمون جيوسياسي أبعد مدى.

من تدقيق الداخل إلى موقف الخارج

جاء رئيس الحكومة على موجة تدقيق. فتح دفاتر الدولة، وأطلق حملة على الفساد سمّاها فجرًا، وأعاد إلى الناس إحساسًا بأن للخزينة حارسًا يقظًا. هذا إنجاز حقيقي، إداري في أدواته وسياسي في أثره. الإصلاحات الداخلية تُقاس بالأرقام. الموقف الخارجي يُقاس بالمصير. بين الميدانين مسافة تفصل مهارة الإدارة عن رؤية الدولة.

الرجل الذي وازن الحساب في الداخل يجلس الآن إلى طاولة لا يكفي فيها أن يضبط رقمًا. عليه أن يعرّف هوية، ويحدد للعالم أين تقف الجمهورية الثالثة، وعلى أي أساس تصوغ علاقاتها.

الدخول السيّد إلى واشنطن يبدأ قبل الوصول إليها. يبدأ حين يعرف العراق ماذا يريد من الولايات المتحدة، وماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تنتظر منه، وأين تنتهي المصالح المشتركة وتبدأ حدود القرار الوطني. مَن عرف موقفه قبل الطاولة فاوض من أرض راسخة. ومَن انتظر الطاولة لتصنع موقفه دخل إليها مكشوفًا.

تلك هي السيادة الاستردادية في أصفى صورها: أن تدخل الغرفة وقد امتلكت جوابك، فلا يُملى عليك جواب من صنع سواك.

الموقف السيّد لا يعني العداء لواشنطن، ولا الارتماء في حضن خصومها. يعني امتلاك بوصلة واحدة اسمها المصلحة الوطنية العليا: مع الولايات المتحدة حين تلتقي المصالح، ومع قرار العراق حين تفترق. الدولة التي تملك بوصلتها تفاوض من موقع الندّية الممكنة. والدولة التي تستعير بوصلتها تدخل في مدار التبعية.

الجمهوريات الجديدة تولد من رحم المواقف. الأمم لا تبني مكانتها بحصيلة العقود وحدها. تبنيها بقرارات يعرف الجميع أنها صدرت من عاصمتها. ورئيس الحكومة الذي يعود من واشنطن بموقف واضح يربح في الداخل ضعف ما يربحه في الخارج. الشعب لا يسأل فقط: كم عقدًا وُقِّع؟ يسأل أيضًا: باسم مَن وُقِّع، ولأي عراق؟

العراق لا يحتاج أن يكسب في واشنطن وحدها. يحتاج أن يُعرَف فيها: أن يخرج من الغرفة وقد ثبّت مَن هو، لا كم أخذ. المكاسب تُنفَق في موسم، والمكانة تبقى جيلًا.

الزيارة فرصة حقيقية. مَن دخلها بحسابات الربح وحدها عاد بمكسب عابر. ومَن دخلها برؤية وموقف عاد بمكانة راسخة.

في دفتر الأستاذ، لكل بند ما يقابله. وفي دفتر السيادة، بند واحد لا يُقابَل بشيء: الموقف.


مشاهدات 56
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/07/13 - 4:10 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 2:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 177 الشهر 14148 الكلي 15919275
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير