الطبيعة القانونية لقرارات إدارات الجامعات الأهلية وجهة الطعن بها
احمد طلال البدري
لاشك ان القرارات التي تصدرها الجامعات والكليات والاقسام الاهلية والتي تتعلق بشؤون الطلبة المنتسبين لجهات التعليم الاهلي فيما يخص قبولهم ونقلهم واستضافتهم وفصلهم وغيرها من القرارات التي تمس شؤون الطلبة والصادرة وفقاً لقانون التعليم العالي الاهلي رقم (25) لسنة 2016 المعدل ، هي قرارات غير محصنة من الطعن القضائي استناداً للمادة (100) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 ، بمعنى انها قرارات قابلة للطعن بها امام القضاء ، الا ان السؤال المهم الذي يطرح هل تعد هذه القرارات ادارية وبالتالي يجوز الطعن بها امام جهة القضاء الاداري ؟ ام لاتعد كذلك ؟ وبالتالي فأن الطعن بها يكون امام جهة القضاء العادي استناداً الى ولايته العامة ، وهذا يجرنا بالطبع الى بحث طبيعة هذه المؤسسات التعليمية الاهلية لتحديد طبيعة القرارات التي تصدر عنها وبالتالي تحديد القضاء المختص بالنظر في الطعون الواقعة عليها ، هل تعد مؤسسات خاصة تخضع للقانون الخاص ، ام تعد مرافق خاصة ذات نفع عام ؟
قواعد عامة
ام تعد مرافق عامة اقتصادية ؟ ام تعد امتيازاً لمرفق التعليم وبالتالي تعد مرفقاً عاماً ادارياً ، ولاسيما ان قانون التعليم العالي الاهلي سابق الذكر جاء خالياً من تحديد طبيعة هذه المؤسسات وترك باب الاجتهاد مفتوحاً للفقه لبحث هذه الطبيعة وفق القواعد العامة في القانون الاداري ، وهذا ما سنحاول الاجابة عليه في هذه المقالة المعمقه ضمن المحاور الاتية :اولاً: موقف محكمة القضاء الاداري ومحكمة التمييز الاتحادية : نتيجة لاغفال المشرع عن تحديد الطبيعة القانونية لهذه المؤسسات بشكل واضح وصريح ، اثير موضوع الجهة المختصة بنظر القرارات التي تصدرها هذه المؤسسات التعليمية الاهلية ، ففي قضية تتلخص وقائعها قيام طالب ينتسب الى كلية الحدباء الجامعة الاهلية في محافظة الموصل باقامة دعوى امام محكمة القضاء الاداري مخاصماً كليته بسبب فقدان بياناته كطالب وتزويده بوثيقه تخرج خالية من الدرجات بحجة فقدانها ، وقد احالت محكمة القضاء الاداري دعواه الى محكمة بداءة الموصل حسب الاختصاص الوظيفي ، الا ان المحكمة المذكورة رفضت الاحالة واعادة الدعوى الى محكمة القضاء الاداري والتي بدورها احالة الدعوى الى محكمة التمييز الاتحادية / هيئة تعيين المرجع لحصول تنازع سلبي في الاختصاص ، حيث قضت محكمة التمييز الاتحادية / هيئة تعيين المرجع بأن المدعى عليه / عميد الكلية يمثل كليه اهلية ، وان المدعي /الطالب يدعي انه خريج الكلية المذكورة وبالتالي فأن نظر الدعوى يخرج عن اختصاص محكمة القضاء الاداري كونها تختص بالفصل في صحة الاوامر والقرارات الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام استناداً للمادة (7/رابعاً) من قانون مجلس الدولة رقم (65) لسنة 1979 المـــعدل .
محكمة البداءة
وبالتالي يكون نظر الدعوى من اختصاص محكمة البداءة بحكم ولايتها العامة بالفصل في كافة المنازعات ، الا ما استثني بنص خاص استناداً للمادة (29) من قانون المرافعات المدنية ، لذا قرر تعيين محكمة بداءة الموصل كمحكمة مختصة بنظر الدعوى ، وهذا ماذهبت اليه في قرارها بالعدد (1/هيئة تعيين المرجع/ 2023) في 3/1/2023 ، وفي قضية اخرى تتلخص وقائعها بقيام احد طلبة كلية المأمون الجامعة الاهلية بمخاصمة كليته امام محكمة القضاء.
الاداري طالباً الغاء الامر الصادر برسوبه وترقين قيده ، الا ان محكمة القضاء الاداري احالت الدعوى الى محكمة بداءة الكرخ حسب الاختصاص الوظيفي ورفضت المحكمة المذكورة الاحالة فحصل تنازع سلبي في الاختصاص وعرض الامر عللى محكمة التمييز / هيئة تعيين المرجع التي ذهبت في قرارها المرقم (11/ هيئة تعيين المرجع/2023) في 9/3/2023 الى ذات النتيجه التي توصلت لها بموجب قرارها سابق الذكر، حيث جاء في حيثيات قرارها المذكور ( ...وقد حصل تنازع في الاختصاص بالفصل بموضوع الدعوى بين محكمة بداءة الكرخ ومحكمة القضاء الاداري اذ ترى كل من المحكمتين انها غير مختصه بالفصل فيها ، واذ ان اختصاصات محكمة القضاء الاداري محددة بالمادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة رقم (65) لسنة 1979 المعدل بالفصل في صحة الاوامر والقرارات الادارية الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزرات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجعاً للطعن فيها ، واذ المدعى عليه اضافة لوظيفته يمثل كليه اهلية وليست حكومية مما يجعل محكمة القضاء الاداري غير مختصه بالفصل في طلبات المدعي وينعقد الاختصاص في هذه الحالة الى محكمة البداءة حسب ولايتها العامة الواردة بالمادة (29) من قانون المرافعات المدنية ...) .
ثانياً : التعليق : ومن استعراض القرارين اعلاه نتوصل الى نتيجة مفادها الاتي :
1.ان محكمة القضاء الاداري ومحكمة التمييز الاتحادية قد اعتبرتا القرارات الصادرة من الكليات الاهلية المتعلقة بشؤون الطلبة قرارات غير ادارية لا يجوز الطعن بها بالالغاء امام القضاء الاداري ، لانها صادرة عن كلية اهلية ، وليست صادرة عن موظف في الوزرات او الهيئات غير المرتبطة بوزارة او القطاع العام ، ذلك ان من اهم شروط قبول دعوى الالغاء الخاصة بالقرار المطعون فيه ان يكون القرار صادراً من سلطة ادارية وطنية تابعة للسلطة التنفيذية ، وبذلك فان هاتين الجهتين قد تبنوا المعيار الشكلي في تحديد طبيعة القرار ، ووفقاً للمعيار الشكلي يعد القرار ادارياً متى ما كان صادراً من جهة ادارية ، فيعد العمل ادارياً اذا كان صادراً من من احدى الهيئات الادارية وفقاً لاشكال واجراءات اصدار القرارات الادارية ، ورغم بساطة هذا المعيار وعدم اتسامه بالتعقيد لانه يحدد طبيعه القرار باعتبار جهة اصداره بغض النظر عن موضوعه وتاثيره في المراكز القانونية ، الا ان من ابرز عيوبه انه يخرج الكثير من الاعمال من نطاق القرارات الادارية لانها لم تصدر من جهة ادارية وطنية رغم ان موضوعها ذو طبيعه ادارية .
2. ورغم اعتناق المعيار الشكلي لتحديد طبيعة القرار ، الا ان كلا المحكمتين لم تخض في موضوع طبيعة الجامعات والكليات الاهلية المؤسسة بموجب قانون التعليم العالي الاهلي رقم (25) لسنة 2016 ، ولاسيما ان القانون المذكور اغفل تحديد طبيعه هذه المؤسسات ، وبالرجوع الى احكام القانون المذكور نجده انه يحدد العلاقة بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبين هذه المؤسسات بطريقة مزدوجة ، فمن الناحية التنظيمية تخضع هذه المؤسسات وكادرها التدريسي وموظفيها وطلابها وسياساتها ومناهجها وامتحاناتها والاشراف والتقويم والترقيات العلمية والاشراف التربوي وشروط القبول وهيكلها ووحداتها وتشكيلات مجالس الجامعات والكليات وفتح الاقسام والفروع العلمية ، والاجور الدراسية والاعفاء منها والاقسام الداخلية وحتى حساباتها المالية وطريقة تدقيقها وفرض العقوبات المالية والادارية ، وتعيين القيادات الجامعيه وعزلهم الى قوانين وانظمة وتعليمات وزارة التعليم العلي والبحث العلمي ، وهذا ما نصت عليه المواد (10 و12 و16و19 54 و37) من القانون المذكور، اما من الناحية المالية فيتم ادارتها من قبل الجهة المؤسسة مع تقاضي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي نسب مالية على شكل رسوم سنوية تبلغ ( 3%) من اجمالي الايرادات السنوية للجامعة او الكلية او المعهد .
3. ووفقاً لما تقدم نرى ان طبيعة هذه المؤسسات اقرب الى الى المرافق العامة الاقتصادية التي تدار بطريقة مزدوجة فهي تستهدف تحقيق المنفعة العامة من خلال توفير الفرص الدراسية الجامعية والعليا ونشر المعرفة وتطوير البحث العلمي وحسب ماجاء بالمادة (2) من القانون التي حددت اهدافه ، ولذلك فهي تخضع لاشراف وتقويم وسياسات وقوانين وزارة التعليم العالي مقابل رسوم مالية سنوية ، فهي اقرب الى امتياز مرفق التعليم حتى ان الوزارة تملك تعليق عمل هذه المرافق او غلقها او التوصية بالغاء اجازة الجامعة او الكلية في حال مخالفة الطرف الثاني للشروط التنظيمية والقانونية لادارة هذه المرافق ، وبالتالي نجد من وجهة نظرنا ان ان القرارات الصادرة عن هذه الجامعات والكليات الاهلية تعد قرارات صادرة عن مرافق عامة اقتصادية وبالتالي تعد قرارات ادارية من الناحية الشكلية ، وايضاً تعد قرارات ادارية من الناحية الموضوعية باعتبار موضوع هذه القرارات المتعلقة بالمراكز القانونية للطلاب في هذه الجامعات والكليات .
4. ان محكمة القضاء الاداري باحالتها للطعون الواردة على قرارات هذه الكليات الاهلية الى القضاء العادي فوت عليه فرصة توسيع نطاق رقابة الالغاء على هذه القرارات ، كما فوت فرصة ثمينة لتأسيس مبدأ يخص تحديد طبيعة المرافق العامة الاقتصادية التي تدار بطريقة مزدوجة على غرار القرارات الكبرى للقضاء الاداري الفرنسي ، لذا ندعو القضاء الاداري ومحكمة التمييز الاتحادية الى اعادة النظرفي موقفهما من طبيعة هذه القرارات ، لان ذلك من شأنة التمييز في المراكز القانونية المتماثلة للطلبة ، فيتم على سبيل المثال الطعن بعقوبة الفصل وفق تعليمات انضباط الطلبة امام محكمة القضاء الاداري بالنسبة لطلبة الكليات الحكومية ، وبالمقابل سيكون الطعن بذات العقوبة امام القضاء العادي من قبل الطالب الذي ينتسب للكليات الاهلية ، مما يؤدي الى تمايز المراكز والاحكام القضائية لاختلاف الجهات التي تنظر بها وهذا ينسحب على بقية القرارات ... والله الموفق .