الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من يحمي الحيتان؟ حين تغدو شبكة الحماية أخطر من الفاسد

بواسطة azzaman

الفجر الأحمر (2)

من يحمي الحيتان؟ حين تغدو شبكة الحماية أخطر من الفاسد

كاظم نزار الركابي

 

ليلة الأحد لم تطرح سؤال الفساد وحده. طرحت سؤال الحماية.

الفاسد الكبير لا يكبر بمفرده. لا يصعد في العتمة بلا مصعد، ولا يمد يده إلى المال العام من دون باب فُتح له، وتوقيع سهّل طريقه، وصمت منحه الوقت، وغطاء سياسي أو إداري أو مالي أقنعه بأن الدولة ستصل إلى الصغار قبل أن تصل إليه.

لهذا لا تكفي صورة الموقوفين مهما كانت الأسماء ثقيلة. السؤال الأهم يبدأ بعد الصورة: من منح هؤلاء هذه الطمأنينة في التحرك داخل الدولة؟ من حوّل المنصب إلى ممر؟ من جعل العقد طريقًا إلى الثروة؟ من صنع الحصانة قبل أن تُرفع؟ ومن أقنع الحيتان أن الماء سيبقى آمنًا إلى الأبد؟

مكافحة الفساد تبدأ بالاعتقال. لكنها لا تصير سياسة دولة إلا حين تصل إلى هندسة الحماية.

هندسة الحماية

الفساد في العراق لم يعد فعلًا فرديًا معزولًا. صار في مستوياته العليا هندسة كاملة. له بوابات وحراس ومحاسبون ومسهّلون ومكاتب قانونية ومصارف وواجهات تجارية ووسطاء وأجنحة سياسية تعرف متى تتدخل ومتى تصمت.

هذه الهندسة هي التي تصنع ما يمكن تسميته: اقتصاد الحصانة.

اقتصاد الحصانة لا يعني أن الفاسد محصّن بالقانون فقط. يعني أنه محصّن بالعلاقات، وبالوقت، وبالانتماء، وبالتوازنات، وبقدرة المنظومة على تشتيت المسؤولية. حين يضيع التوقيع بين عشر دوائر، وينتقل القرار بين خمس لجان، ويتحوّل العقد إلى ملف لا يعرف أحد أين بدأ ومن أين مرّ، يصير الفساد أذكى من الرقابة.

هنا لا تعود السرقة هي الجريمة الوحيدة. الجريمة الأخطر هي بناء الطريق الذي جعل السرقة ممكنة، ثم جعله يبدو قانونيًا، ثم جعله عصيًا على السؤال.

الحارس الخفي

في كل ملف فساد كبير يوجد شخص ظاهر، وشبكة غير مرئية.

الشخص الظاهر يحمل الاسم والمنصب والتوقيع. أما الشبكة فتحمل القدرة الحقيقية: من رشّحه؟ من زكّاه؟ من غضّ الطرف عنه؟ من سهّل له العقد؟ من حماه عند أول شكوى؟ من أوقف تقرير الرقابة في منتصف الطريق؟ من حوّل المعلومة إلى ورقة نائمة؟ ومن سأل الهاتف قبل أن يسأل القانون؟

هذه الأسئلة هي التي تفرّق بين حملة عابرة ومعركة دولة. الفساد لا يخاف من سقوط فرد؛ يعرف كيف يستبدله. يخاف حين تُفتح دفاتر الحارس الخفي. يخاف حين تتحول التحقيقات من سؤال “من أخذ؟” إلى سؤال “من مكّن؟ ومن غطّى؟ ومن استفاد من الصمت؟

عند هذه النقطة فقط تبدأ المعركة الحقيقية. لأن الفاسد المنفرد يسقط في ملف، أما منظومة الحماية فتسقط حين يتغير منطق الدولة. الفساد المُنتِج في صورته الأعمق

التجربة العراقية بعد 2003 قاسية في هذا الباب. حملات كثيرة بدأت قوية ثم انتهت إلى أرشيف الأخبار. أُوقف موظفون، واستقال وزراء، وصدرت بيانات، ثم عادت الوزارات إلى قواعد اللعبة ذاتها. تبدلت الأسماء وبقيت آلية الاختيار. تغير المدير وبقيت شبكة التزكية. أُلغي عقد وظهر عقد آخر بالروح نفسها.

ذلك هو الفساد المُنتِج في صورته الأعمق. لا ينتج المال الحرام فقط؛ ينتج الفاسدين أيضًا. ينتجهم عبر طريقة التعيين، وطريقة تمويل السياسة، وطريقة توزيع الوزارات، وطريقة فهم المنصب بوصفه مكافأة لا مسؤولية.

حين تغدو الوزارة حصة، يصير العقد امتدادًا للحصة. وحين يغدو المنصب جزءًا من تسوية سياسية، يصير المسؤول مدينًا لمن جاء به قبل أن يكون مسؤولًا أمام الدولة. ومن هنا تبدأ السلسلة: ولاء قبل الكفاءة، حماية قبل المحاسبة، صمت قبل الانفجار.

الحيتان لا تعيش في ماء عكر فقط. تعيش في ماء يحرسه آخرون.

هل الفجر بداية الصعود أم سقفه؟

هنا يواجه علي الزيدي امتحانه الأصعب. الشجاعة الأمنية تفتح الباب، أما الشجاعة المؤسسية فتقرر ما إذا كان الباب سيبقى مفتوحًا.السؤال بعد الفجر الأحمر لم يعد: من وصلتهم الحملة؟ إنما: من لم تصل إليهم بعد؟ وهل كانت الليلة بداية صعود التحقيقات إلى الأعلى، أم سقفًا سياسيًا لا يُراد تجاوزه؟

المعيار واضح. هل ستصل التحقيقات إلى شبكات التمكين لا إلى أسماء التنفيذ فقط؟ هل ستراجع الحكومة آليات التعيين في المواقع التي تحولت إلى ممرات للفساد؟ هل ستُفحص العقود الكبرى قبل أن تُرحَّل إلى النسيان؟

رسالة سياسية

الحكومة التي تعتقل فاسدًا تقدم خبرًا. الحكومة التي تغيّر القاعدة التي أنتجته تقدم دولة.

غير أن المعركة ضد الفساد تفقد معناها إذا تحولت إلى انتقاء. فالناس لا تريد قانونًا يرى خصوم الحكومة فقط، إنما قانونًا يرى الجميع. الشفافية هنا ليست ترفًا، بل درع الحملة من التأويل، وضمانتها كي لا تتحول من معركة دولة إلى رسالة سياسية.

ليلة التعييناتلا تكفي ملاحقة الحيتان إذا بقي البحر نفسه بلا حراسة. الدولة التي تكتفي برفع بعض الأسماء من الماء ستكتشف أن الماء يُعيد تربية غيرهم.

أما الدولة التي تغيّر التيارات العميقة، وتضع رقابة مبكرة، وتكشف تضارب المصالح، وتراجع تمويل السياسة، فإنها لا تطارد الفساد فقط؛ تحرمه من بيئته.

الفجر الأحمر لا ينبغي أن يبقى ليلة أمنية. ينبغي أن يتحول إلى فجر إداري وقانوني ومالي. إلى نظام جديد في اختيار المسؤول، وتوقيع العقد، ومراقبة المال، واسترداد الثروة، وحماية المبلّغ، ومحاسبة الحارس قبل اللص أحيانًا.

اللص يأخذ المال مرة. أما الحارس الفاسد فيفتح الباب كل مرة.

العراق لا يحتاج أن يعرف من سرق فقط. يحتاج أن يعرف من جعل السرقة ممكنة. والفرق بين حملة عابرة وبداية دولة لا تكشفه ليلة الاعتقالات وحدها. تكشفه ليلة التعيينات: من يملأ الفراغ، وبأي معيار؟ حين تصل الدولة إلى هذا السؤال، لا تعود تطارد الحيتان في الماء؛ تبدأ بتجفيف البحر الذي اختبأت فيه.وهناك فقط يصير الفجر الأحمر بداية دولة، لا عنوان حملة.

 


مشاهدات 85
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/06/30 - 4:13 PM
آخر تحديث 2026/07/01 - 1:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 96 الكلي 15905223
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير