الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل يستطيع العراق أن يكون صديقاً لواشنطن وطهران في الوقت نفسه؟

بواسطة azzaman

في السياسة الخارجية  (2 - 6)

هل يستطيع العراق أن يكون صديقاً لواشنطن وطهران في الوقت نفسه؟

سامي العسكري

 

في ظل الحرب التي شهدتها المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد سؤال قديم ليفرض نفسه بقوة:

أين يجب أن يقف العراق؟

ومع كل تصعيد بين واشنطن وطهران، ينقسم الجدل سريعاً بين من يرى أن على العراق أن يقترب من الولايات المتحدة، ومن يرى أن عليه أن يكون أقرب إلى إيران. وكأن السياسة الخارجية لا تترك للعراق سوى خيارين: هذا المعسكر أو ذاك.

لكن المشكلة لا تكمن في الإجابة عن هذا السؤال، بل في السؤال نفسه. فهو يوحي وكأن السياسة الخارجية العراقية تُختزل في العلاقة مع واشنطن وطهران، بينما تمتد مصالح العراق إلى محيطه العربي، وجواره الإقليمي، وعلاقاته مع تركيا وأوروبا وروسيا والصين، وسائر دول العالم.

ولذلك فإن الحديث عن واشنطن وطهران في هذه الحلقة ليس إلا مثالاً على طريقة التفكير في السياسة الخارجية، وليس اختزالاً لها.

هل المطلوب اختيار أحد المحاور؟

حين يُطرح السؤال بهذه الصيغة، يبدو وكأن العراق مطالب بالانضمام إلى أحد المحورين، وأن نجاح سياسته الخارجية يقاس بمدى قربه من هذا الطرف أو ابتعاده عن ذاك.

لكن السياسة الخارجية ليست إعلاناً للولاء، ولا اختياراً بين المحاور، وإنما هي إدارة لعلاقات الدولة مع العالم بما يحفظ سيادتها ويحقق مصالحها الوطنية.

ولهذا، ربما يكون السؤال الأصح هو:

كيف يدير العراق علاقاته مع مختلف الدول بما يخدم مصالحه الوطنية؟

حقائق لا يمكن تجاهلها

تنطلق السياسة الخارجية الرشيدة من الواقع، لا من الأمنيات.

والواقع العراقي تحكمه حقائق لا يمكن تجاوزها.

فإيران دولة جارة، ترتبط بالعراق بحدود طويلة ومصالح اقتصادية وروابط اجتماعية ودينية وتاريخية.

وفي المقابل، تمثل الولايات المتحدة قوة دولية كبرى لها تأثير واسع في الاقتصاد العالمي، والنظام المالي، والأمن الدولي.

كما أن للعراق مصالح متنامية مع الدول العربية، وتركيا، وأوروبا، وروسيا، والصين، وغيرها من الدول.

وليس التحدي في وجود هذه العلاقات، وإنما في حسن إدارتها، بحيث تخدم جميعها المصلحة الوطنية العراقية.

المصلحة هي المعيار

في العلاقات بين الأفراد قد تكون الصداقة قيمة بحد ذاتها، أما في العلاقات بين الدول فالمعيار مختلف.

فالدول لا تبني سياساتها الخارجية على العواطف، وإنما على المصالح.

ولهذا، فإن العلاقة مع أي دولة ليست غاية، بل وسيلة لتحقيق أهداف محددة.

ولعل أهم تحول تحتاجه طريقة تفكيرنا هو أن نتوقف عن سؤال:

مع من يجب أن يقف العراق؟

ونبدأ بسؤال آخر أكثر أهمية:

ماذا يريد العراق من كل دولة؟

ماذا يريد من الولايات المتحدة؟

وماذا يريد من إيران؟

وماذا يريد من تركيا والدول العربية؟

وماذا يريد من أوروبا وروسيا والصين؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن ترسم ملامح السياسة الخارجية العراقية، لا الاصطفاف مع هذا المحور أو ذاك.

ليست السياسة الخارجية أن تختار بين الدول، بل أن تعرف ماذا تريد من كل دولة.

التوازن لا يعني الحياد

قد يُفهم الحديث عن العلاقات المتوازنة على أنه دعوة إلى الوقوف على مسافة واحدة من الجميع.

لكن المقصود بالتوازن ليس الحياد السلبي، وإنما استقلال القرار الوطني.

فقد تقتضي مصلحة العراق التعاون الوثيق مع دولة في مجال الاقتصاد، ومع أخرى في مجال الأمن، ومع ثالثة في مجال التكنولوجيا أو الاستثمار.

وهذا لا يعكس تناقضاً، بل يعبر عن سياسة خارجية ناضجة، تجعل المصلحة الوطنية هي المعيار في بناء العلاقات.

الخلاصة

قد لا يكون السؤال الحقيقي هو:

أين يجب أن يقف العراق؟

بل:

كيف يبني العراق سياسة خارجية تجعل جميع علاقاته الدولية في خدمة مصالحه الوطنية؟

إن نجاح السياسة الخارجية العراقية لن يتحقق بكثرة الخصومات، ولا بكثرة التحالفات، وإنما بقدرتها على بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة، تجعل من كل علاقة خارجية وسيلة لحماية سيادة العراق، وتعزيز أمنه، وتنمية اقتصاده، وخدمة مصالح شعبه.

وحين تكون المصلحة الوطنية العراقية هي البوصلة، لن يعود الانتماء إلى هذا المحور أو ذاك معياراً لنجاح السياسة الخارجية، بل ستصبح قدرة تلك السياسة على خدمة العراق أولاً هي المعيار الحقيقي.

 كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

 

 


مشاهدات 78
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/06/30 - 4:13 PM
آخر تحديث 2026/07/01 - 1:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 96 الكلي 15905223
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير