التحوّل الأنطولوجي في شعر حميد سعيد.. الذاكرة العراقية بين التوثيق والتجلّي
ياس خضير البياتي
ليس من اليسير أن يُقرأ هذا الكتاب بوصفه دراسة نقدية في تجربة شاعر كبير فحسب؛ فهو، منذ صفحاته الأولى، يقترح على القارئ أن يغيّر زاوية النظر إلى الشعر نفسه. فالقصيدة هنا ليست موضوعًا للقراءة، بل وسيلة لقراءة الإنسان، والذاكرة ليست مادةً يستدعيها الناقد لتفسير النص، وإنما هي النص في صورته الأعمق، وهي الكيان الذي يظل يقاوم الفناء كلما أوشك الزمن أن يبتلعه.
ومن هنا يبدو عنوان الكتاب، «الكيان الذي لا يعود»، أكثر من عنوانٍ إجرائي؛ إنه المفتاح الذي تفتح به المؤلفة أبواب عالم حميد سعيد. فالذي لا يعود ليس الزمن، لأن الزمن لا يعود أصلًا، وليس المكان، لأن الأمكنة تتبدل وتفقد ملامحها، وإنما ذلك الكيان الوجودي الذي تخلقه القصيدة، حيث يتحول الغياب إلى حضور آخر، وتصبح الذاكرة صورة ثانية للوجود. لذلك لا تقرأ الكاتبة شعره بوصفه بناءً لغويًا، بل بوصفه تجربةً أنطولوجية تُعيد مساءلة معنى الكينونة، والهوية، والزمن، والوطن.
وهنا تكمن أهمية هذا العمل؛ فهو لا ينضم إلى الدراسات التي تتوقف عند تحليل الصور الشعرية أو تتبع البنى الإيقاعية، بل يذهب إلى الطبقة العميقة التي تتولد فيها القصيدة، حيث تصبح اللغة سؤالًا عن الوجود قبل أن تكون وسيلةً للتعبير عنه. ولهذا لا تبدو الدراسة شرحًا للنصوص، وإنما حوارًا معها، ومحاولةً للكشف عن الطاقة الفكرية الكامنة في شعر أحد أبرز شعراء العراق المعاصرين.
حين يصبح التوثيق تأويلًا
لا تتعامل لهيب عبد الخالق مع النصوص بوصفها وثائق أدبية معزولة عن سياقها، بل تنظر إليها باعتبارها جزءًا من السيرة الثقافية للعراق. إنها لا تجمع الشواهد، وإنما تعيد بناء العلاقات الخفية بينها، حتى تغدو القصيدة نافذةً يطل منها القارئ على تحولات الإنسان العراقي، لا على تحولات شاعر واحد.
ومن هنا تنجح في تجاوز واحدة من أكثر مشكلات الدراسات الأدبية شيوعًا، وهي الوقوف عند ظاهر النص. فهي لا تكتفي بما تقوله القصيدة، بل تسأل: لماذا قالت ذلك؟ وكيف استطاعت أن تحوّل التجربة الفردية إلى تجربة جمعية؟ وما الذي جعل صوت حميد سعيد يبدو، في كثير من قصائده، وكأنه صوت ذاكرةٍ كاملة، لا صوت ذاتٍ منفردة؟
لقد اختارت المؤلفة أن تقرأ الشعر من داخله، لا من خارجه؛ فلا تُثقل النص بالمصطلحات، ولا تحاصره بالمناهج، وإنما تجعل المنهج تابعًا للنص، لا العكس. وهذه ميزة نقدية مهمة، لأن كثيرًا من الدراسات المعاصرة تقع أسيرة النظرية، بينما ظل هذا الكتاب وفيًا للقصيدة نفسها، يستنطقها، ويحاورها، ويكشف طبقاتها الدلالية دون أن يفرض عليها قراءة جاهزة.
ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه لا يفصل بين الناقد والإنسان. فالمؤلفة لا تكتب بعين الباحث وحدها، وإنما بقلب القارئ أيضًا. ولذلك جاءت لغتها بعيدة عن جفاف الخطاب الأكاديمي، محافظةً في الوقت نفسه على صرامته العلمية. إنها تكتب النقد بوصفه فعلًا من أفعال الفهم، لا بوصفه سلطةً على النص، ولهذا تبدو الدراسة أقرب إلى رحلة داخل القصيدة منها إلى تقرير عنها.
إنها تدرك أن الشعر، في تجربة الشاعر، ليس حدثًا جماليًا فحسب، بل وثيقة حضارية تحفظ ما تعجز الذاكرة الجمعية عن الاحتفاظ به. ومن هنا يتحول التوثيق إلى فعل مقاومة، لا لأن الوثيقة تحفظ الماضي، بل لأنها تمنع الماضي من أن يتحول إلى فراغ.
شاعر الكينونة لا شاعر الحنين
من أكثر الأفكار التي ينجح الكتاب في ترسيخها أن حميد سعيد لا يكتب الحنين بالمعنى الرومانسي المألوف. فالحنين عنده ليس بكاءً على مدينة بعيدة، ولا استدعاءً عاطفيًا للماضي، وإنما سؤالٌ دائم عن معنى البقاء في عالم يتغير باستمرار.
ولهذا يبدو الوطن، في شعره، أقل ارتباطًا بالجغرافيا، وأكثر اتصالًا باللغة. فالمدينة لا تقيم خارج الإنسان، وإنما تستقر في ذاكرته، والبيت لا يصبح بيتًا لأنه قائم من الحجر، بل لأنه يسكن الكلمات. ومن هنا تغدو القصيدة محاولةً دائمة لبناء وطنٍ لا تستطيع الحروب ولا المنافي ولا تقلبات التاريخ أن تهدمه.
ولهذا أحسنت لهيب عبد الخالق حين جعلت مفهوم التحول الأنطولوجي مفتاحًا لقراءة تجربته؛ لأن التحول عنده لا يقتصر على تبدل الصور أو الموضوعات، وإنما يصيب الكينونة ذاتها. فالإنسان في قصيدته لا يظل الشخص الذي كانه، والزمن لا يبقى الزمن الذي نعرفه، والمدينة لا تعود المدينة نفسها، بل تتحول جميعها إلى رموزٍ لرحلة الوجود في بحثه الدائم عن معنى الاستمرار.
وتتجلى هذه الرؤية في كثير من نصوصه التي تجعل الزمن قوةً تتسرب في الكائن دون ضجيج، حتى يبدو الإنسان وكأنه يحمل عمره داخل اللغة أكثر مما يحمله في الذاكرة. وهنا لا يصبح الشعر تسجيلًا للحياة، وإنما محاولة لإنقاذها من التلاشي، وكأن القصيدة تؤجل الموت، ولو بقدر بيتٍ شعري واحد.
إن حميد سعيد لا يكتب عن العراق بوصفه مكانًا فحسب، بل بوصفه سؤالًا ثقافيًا وروحيًا. ولذلك تغدو بغداد، والبصرة، والفرات، والنخيل، مفرداتٍ تتجاوز حضورها الواقعي لتصبح علاماتٍ في معجم الوجود العراقي، وهو ما نجحت الكاتبة في إبرازه بذكاء، حين قرأت هذه الرموز باعتبارها عناصر في بناء الهوية، لا مجرد صور شعرية.
الذاكرة والمنفى... حين يصبح الوطن إقامةً في اللغة
إذا كانت لهيب عبد الخالق قد اختارت «التحول الأنطولوجي» مفتاحًا لقراءة شعر حميد سعيد، فلأنها أدركت أن الذاكرة في عالمه الشعري ليست مستودعًا للماضي، وإنما صورة أخرى للوجود. فالقصيدة لا تستدعي الزمن الذي مضى، بل تستدعي الإنسان الذي تغيّر داخله الزمن. ومن هنا لا تصبح الذاكرة فعلًا لاسترجاع ما كان، وإنما فعلًا لإعادة إنتاجه داخل الوعي، حتى يغدو الماضي حاضرًا آخر، لا مرحلةً انقضت.
إن الشاعر لا يكتب ذاكرة الأمكنة، بل يكتب الأمكنة وقد استقرت في الذاكرة. ولهذا تفقد المدينة حدودها الجغرافية لتتحول إلى حالة شعورية، ويغدو الوطن إقامةً في اللغة قبل أن يكون إقامةً على الأرض. فكل مدينةٍ يكتبها الشاعر ليست مدينةً تُرى، وإنما مدينةٌ تُتذكَّر، وكل نهرٍ يجري في قصيدته إنما يجري في الوعي قبل أن يجري في الطبيعة.
وقد نجحت المؤلفة في التقاط هذا التحول الدقيق؛ فلم تقرأ المنفى بوصفه حدثًا سياسيًا، بل بوصفه سؤالًا أنطولوجيًا. فالمنفى، في شعره ، يبدأ عندما يغترب الإنسان عن صورته الأولى، قبل أن يغترب عن وطنه. لذلك لا يبدو المنفي في قصائده غريبًا عن المكان وحده، بل غريبًا عن الزمن أيضًا، كأن العمر يمضي خارج إيقاعه، وكأن السنوات تعبره من غير أن تستقر فيه.
ومن هنا تغدو القصيدة محاولةً لاستعادة وحدةٍ فقدها الإنسان بين ذاته والعالم. إنها لا تبكي الوطن، بل تبحث عنه، ولا ترثي المدينة، بل تعيد بناءها بالكلمات، حتى يصبح الشعر وطنًا رمزيًا حين تضيق الأوطان الواقعية.
ولعل هذه الرؤية هي التي جعلت تجربة حميد سعيد تتجاوز حدود السيرة الشخصية، لتصبح جزءًا من السيرة الثقافية للعراق الحديث؛ إذ لم يعد الوطن عنده مكانًا يُغادر أو يُستعاد، وإنما قيمةٌ أخلاقية وروحية تسكن اللغة، وتبقى فيها مهما تبدلت الخرائط.
اللغة بوصفها الكيان الذي لا يعود
ليس غريبًا بعد ذلك أن تختار المؤلفة عنوان «الكيان الذي لا يعود»؛ لأن الكيان الحقيقي في شعر حميد ليس الإنسان وحده، ولا المكان وحده، بل اللغة نفسها.
فاللغة عنده لا تؤدي وظيفة الوصف، بل وظيفة الخلق. إنها لا تعكس العالم، وإنما تعيد إنتاجه. والكلمات لا تشير إلى الأشياء بقدر ما تمنحها وجودًا جديدًا. ولهذا تبدو القصيدة أقرب إلى فعل تأسيس منها إلى فعل تعبير.
وهنا تكشف الدراسة عن واحدة من أهم سمات شعر الشاعر؛ إذ تبيّن أن الكلمة لا تتحرك داخل النص بوصفها علامة لغوية، وإنما بوصفها كائنًا حيًا يحمل ذاكرته الخاصة. فكل مفردة تدخل في شبكة من العلاقات مع الزمن، والمكان، والتاريخ، والهوية، حتى تغدو اللغة نفسها حقلًا للوجود.
ولذلك لا يكتب الشاعر الأشياء كما تبدو، بل كما أصبحت بعد أن عبرها الزمن. فالمدينة ليست مدينة الأمس، والإنسان ليس الإنسان الذي بدأ الرحلة، حتى القصيدة نفسها لا تنتهي عند آخر سطر فيها، بل تظل مفتوحة على قراءات جديدة، لأن معناها لا يستقر في دلالة واحدة.
وقد أحسنت الكاتبة حين لم تتوقف عند الجانب البلاغي لهذا البناء، بل تجاوزته إلى بنيته الفلسفية؛ إذ بينت أن التحول في شعره لا يصيب الصورة الشعرية وحدها، وإنما يصيب مفهوم الكينونة ذاته. فكل شيء معرض للتحول، باستثناء فعل الكتابة نفسه، لأنه الوسيلة الوحيدة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يقاوم التلاشي.
وهكذا تصبح اللغة وطنًا بديلًا، والقصيدة بيتًا أخيرًا للذاكرة، والكلمة محاولةً لإبطاء الزمن، ولو قليلًا.
تقويم نقدي
تكمن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب في أنه لا يضيف دراسة جديدة إلى المكتبة العراقية فحسب، بل يضيف طريقةً جديدة في قراءة شعر حميد سعيد. فهو يبتعد عن القراءات الوصفية التي تكتفي بإحصاء الموضوعات أو تصنيف الصور، ويتجه نحو الكشف عن البنية الفكرية التي تنتظم التجربة الشعرية كلها.
لقد استطاعت لهيب عبد الخالق أن توازن بين التحليل الأكاديمي والحس الجمالي؛ فلم تقع في جفاف المصطلح، كما لم تنجرف نحو الانطباعية التي تكتفي بالإعجاب. بل جاءت قراءتها محاورةً للنصوص، تستخرج أنساقها الفكرية، وتضيء أبعادها الفلسفية، من غير أن تُثقل القصيدة بما ليس فيها.
ويحسب لها أيضًا أنها لم تجعل الشعر معزولًا عن سياقه الثقافي، بل قرأته داخل التاريخ العراقي، بوصفه أحد تجليات الوعي الحضاري، لا مجرد تجربة فردية. وهذا ما منح الكتاب بعدًا ثقافيًا يتجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي.
وربما كان يؤخذ على الكتاب، في بعض مواضعه، ميله إلى الإكثار من التأمل النظري، بحيث يخف حضور التحليل النصي المباشر أمام كثافة الرؤية الفلسفية. غير أن هذه السمة لا تنتقص من قيمته، بل تعكس طبيعة المشروع نفسه؛ فهو كتاب يريد أن يقرأ الشعر بوصفه معرفةً بالوجود، لا بوصفه صناعةً لغوية فحسب.
ولهذا يمكن القول إن هذا العمل يمثل إضافة نوعية إلى الدراسات العراقية الحديثة حول شعر حميد ، لأنه لا يقرأ القصيدة من خارجها، بل يدخل إلى عالمها الداخلي، ويكشف الآليات التي تجعلها قادرة على تجاوز زمن كتابتها.
خاتمة...
القصيدة بوصفها وطنًا أخيرًا
ينتهي هذا الكتاب، لكنه لا يغادر قارئه. وهذه هي العلامة الفارقة لكل عمل نقدي حقيقي؛ إذ لا يمنح القارئ أجوبةً جاهزة، بل يفتح أمامه أسئلة جديدة عن الشعر، والذاكرة، والوطن، والإنسان.
لقد نجحت المؤلفة في أن تجعل من قراءة شعر حميد سعيد رحلةً داخل الوجود العراقي نفسه؛ حيث لا تغدو القصيدة أثرًا جماليًا فحسب، بل وثيقةً للروح، ولا يعود الشاعر صانعًا للصور، بل شاهدًا على زمنٍ كامل، حمل وطنه في اللغة عندما ضاقت به الأمكنة.
ومن هنا لا تبدو عبارة «الكيان الذي لا يعود» إشارةً إلى الغياب، بل إلى الحضور الذي يرفض الزوال. فما لا يعود ليس لأنه اندثر، وإنما لأنه لم يغادر أصلًا؛ لقد استقر في الذاكرة، وفي اللغة، وفي القصيدة. ولهذا تظل تجربته واحدةً من التجارب التي أثبتت أن الشعر الحقيقي لا يؤرخ للأحداث، بل يؤرخ لما تتركه الأحداث في أعماق الإنسان.
وهنا تكمن فضيلة هذا الكتاب وقيمته؛ فهو لا يعيد قراءة شاعر كبير فحسب، بل يعيد الاعتبار إلى الشعر بوصفه بيتًا للكينونة، وإلى الذاكرة بوصفها آخر ما يبقى حين تتداعى المدن، وتتبدل الأزمنة، ويغدو الإنسان، كما أراده الشاعر، مسافرًا يحمل وطنه في الكلمات، لأن الكلمات وحدها هي التي لا تنفى، ولا تشيخ، ولا تموت.