الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التعليم الاهلي والصحوة المتأخرة

بواسطة azzaman

التعليم الاهلي والصحوة المتأخرة

محمد وهاب عبود

 

لعله اعترافاً متأخراً بخطيئة ظل الجميع يتغاضى عنها، فقد أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قراراً بإيقاف استحداث الجامعات والكليات الأهلية وتجميد فتح الأقسام العلمية الجديدة اعتباراً من الثلاثين من حزيران 2026، بغية إعادة تقييم المسار وترصين العملية التعليمية ورفع جودة الأداء الأكاديمي.

إن ظاهر القرار ينم عن صحوة مؤسساتية، غير أن الغوص في كواليسه يكشف اعترافاً ضمنياً بأن تجربة «الخصخصة» التي روج لها مسؤولون وسياسيون ومحللون لم تكن سوى واجهة لمشاريع ربحية عشوائية تسللت إلى جسد التعليم تحت يافطة تخفيف الضغط عن الجامعات الحكومية، في بلد يشكل الشباب عموده الفقري وديمومته الديموغرافية.

منذ أن تبنت الحكومات المتعاقبة وصفة الخصخصة بوصفها مخرجاً مثاليا، تحولت بعضض الكليات الأهلية في بغداد والمحافظات إلى ما يشبه السوق الموازية للشهادات، حيث تسابقت جهات متنفذة على تأسيس صروح ورقية لا علاقة لها بمعايير الجودة العلمية أو ضوابط منح الشهادات. وفي العمق لم تكن المسألة اقتصادية بريئة بقدر ما كانت امتداداً لنظام المحاصصة الذي كرسه الأميركان، والذي لم يكتف بتوزيع الحقائب الوزارية بل تسلل  إلى قطاعات التربية والصحة والتعليم محيلاً إياها إلى غنائم واستثمارات سريعة العائد. وهنا يمكن القول إن رحم الأخطاء لا ينجب الصواب، إذ تعاظم التشوه عاماً بعد عام بعد أن رفع البعض شعار «الخصخصة انقاذ وخلاص»، ليكشف الزمن عن بطلان هذا الزيف الصارخ الذي خلف عبئاً أكبر من ذاك الذي زعموا التخلص منه.

إن تعريض القطاعات السيادية، تعليماً وطاقة وصحة ودفاعاً،  لمنطق السوق في دولة تفتقر إلى بنى اقتصادية راسخة وأسس قانونية صلبة إنما هو مقامرة وجودية، فاستيراد نظام اقتصادي معلب لا يصلح لسياق تاريخي هش يجعل البلاد أسيرة مآلات يصعب تطويقها لاحقاً. وعلى غرار تحذير المفكر فرانز فانون من برجوازية وطنية لا تنتج ولا تبتكر بل تنهب المال العام وتختبئ خلف شعارات التنمية، وجدنا في العراق أطراف سياسية أعادت إنتاج النموذج نفسه، فانتفخت جيوب النخب على حساب تهميش طبقات واسعة ظلت على الهامش بينما تحول التعليم الخاص إلى بيئة طاردة لمن لا يملك ثمن المقعد الدراسي.

إن العراق بما يختزنه من موارد هائلة وعائدات نفطية، ليس بحاجة إلى خصخصة التعليم كي يخفف ضغط الأعداد، فالشباب ليسوا عبئاً بل ثروة معطلة بفعل هدر المال العام واختلاسه لمشاريع التخادم السياسي وبناء الإمبراطوريات المالية. المعادلة المفقودة ليست في نقل عبء التعليم من الدولة إلى جيوب المواطنين، وإنما في نزاهة توزيع الثروة وشفافية المؤسسات وأتمتة تطحن البيروقراطية المقيتة، مع إرادة سياسية لا تتهاون مع سرقة المال العام تحت أي قناع.

في الجوهر قرار التجميد ليس نهاية المسار المتردي، بل مرآة تعكس اعوجاج البدايات حين تم مقايضة السيادة التعليمية بأوهام السرعة والربح، وكما تئن أسس الدولة ، تنضح الحقيقة أن الأمم لا تبنى بخصخصة تبتلع السيادة وتلتهم حلم بناء وطن مزدهر.

 


مشاهدات 55
الكاتب محمد وهاب عبود
أضيف 2026/07/07 - 5:26 PM
آخر تحديث 2026/07/08 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 7604 الكلي 15912731
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير