الدنيا بخير.. العجوز تعبر الشارع
أحمد عبد المجيد
تبدو لي دنيانا بخير، فما زال بعض الذين ترفعهم السماء الى مراتب عليا، سواء بالمنصب أو الرزق الوفير أو الوجاهة الكريمة، يترجمون اقوالهم الى افعال ويعيش في اعماقهم ملاك الخير والعطاء الجزيل أو المناسب، لحظة تحين الفرصة او يقتضي الواجب، وما زلت، شخصياً، اتذكر القول المأثور (لو خليت قلبت)، وانا في أشد حالاتي ضيقاً أو في ظل تعاظم الرزايا والخطوب. دائماً هناك من يمد لك يد العون أو يتذكر لك فضل أو يستشعر حاجتك، ولعلها ترجمة لما نتربى عليه منذ نعومة الأظافر، ان الله لا يترك عبده وان عليك ان تفعل خيراً (وتذب في الشط)، فقد يأتيك الوقت الذي يخرج عمل الخير من (الشط سابحاً على امواج الحظ).
لقد عودت عقلي، على تقبل الحياة، بحلوها ومرها، ولم انظر الى النصف الفارغ من الكأس، ونجوت من مآزق الدنيا، لاني متفائل او هكذا يحسبني بعض أهلي، فلم يصرعني الاحباط فأصاب بالكآبة المطلقة، وثابرت على تعويد نفسي على تقبل الصدمات حتى من بعض أقرب المقربين.
وما رأيته صباح الأحد الماضي، قد لا يرتقي الى مستوى الأفعال، لكنه كان تصرف خير، وانا لا أرى في الخير الا واحداً لا يتجزأ ولا يقبل القسمة، فالخير خير في اوله وأوسطه وآخره، وهو يدل على مرضاة الله ورسوله والضمير، والاخلاص خير أيضاً يقول سقراط (الاخلاص لا رقيب له الا الضمير)، وكذلك الصبر خير، وبحسب جلال الدين الرومي فانه كالصراط، والجنة عند نهايته.
ويمدنا الشارع، يومياً، بشواهد ويتحفنا بدروس كنا قد نسيناها، في لجة التراجع الاخلاقي وتفاقم ظواهر الفساد، حتى بتنا نتوهم بأن الخير غادر حياتنا، وان فعل المعروف توارى عن عيوننا، تحت غمامة سوداء قوامها المنقولات التي نسمعها والمبالغات التي نستقيها من مصادر غالباً ما تكون مشبوهة او غير موثوقة او مصابة بالهوس. ولهذا نفتقد المسؤول الميداني ونقرن نجاحاته بالقدر الذي تنبع فيه قراراته من احساس بنبض الشارع ومعاناة الناس، ومن شعور صادق، بان الخدمة العامة واجب وطني وان التعالي سلوك مرفوض وان قيادة مركبة (آخر موديل) لا يعني نهاية المطاف، بل هي مرحلة مرهونة برضا الخالق ومواساة الخلق، في سرائهم وضرائهم، في معاناتهم وحاجاتهم، وفي الاوقات الحرجة او الفاصلة من حياتهم.
تذكرت ذلك كله، وانا ارصد سيدة عجوز حاولت عبور شارع كرادة مريم قرب ساحة الشواف، كانت المركبات تمرق بسرعة، وكانت السيدة تسعى للاتكاء على احد للوقوف قبل ان يخلو الطريق وتساعدها قواها على العبور، وحاولت ربما مثل غيري، تقديم العون لها، لكن بعد المسافة حرمني، ولم تمض ثوان حتى فوجئت بسائق مركبة أمامي نوع جي أم سي سوداء اللون (آخر موديل) رقمها (11m25217)، يترجل ويتلقف يد السيدة العجوز وينجح بعبور الشارع معها، برغم زخم المركبات المقبلة من جسر الجمهورية، وبدا الرجل مرتدياً بدلة رصاصية أنيقة، وقد غزا الشيب رأسه فخمنت ربما يكون مسؤولاً أو رجل اعمال.
كنت متوجساً من احتمال تعرضه للدهس، وهو يعبر ويعود الى مركبته، مثلما كنت اغبطه على مبادرته الانسانية التي اكدت لي ان الدنيا ما زالت بخير وان ليس كل من يركب (تاهو) أو (جمسي) آخر موديل هو من طينة آخرى او هو (بلوكر أو فاشنست)، وان العراق بخير. ونقل عن رسول الله (ص): تفاءلوا بالخير تجدوه.