الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فك طلاسم السيولة

بواسطة azzaman

فك طلاسم السيولة

نبيل رحيم العبادي

 

حين أعلن العراق استهدافه رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى نحو خمسة وأربعين بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة خلال عقد واحد شعرت للحظة أن ثمة من يقرأ التاريخ الاقتصادي للدول الريعية من نهايته لا من بدايته فالتجارب العالمية من إندونيسيا إلى النرويج مرورا بالمكسيك علمتنا أن تنويع الإيرادات ليس قرارا محاسبيا بتحويل أرقام من خانة إلى أخرى بل هو إعادة تعريف لدور الدولة في المجتمع والاقتصاد.

لكن ما يثير حفيظة خبير راقب تحولات عشرات الاقتصادات النامية أن الحديث عن تنويع الإيرادات في العراق يصطدم دوما بجدار السيولة الشهير سيولة نائمة في جيوب المواطنين خارج القطاع المصرفي وسيولة حبيسة في قنوات الإنفاق الاستهلاكي لا تتحول إلى استثمار وسيولة تتبخر في استيراد كل شيء من الإبرة إلى السيارة وهنا تحديدا تكمن المفارقة الكبرى التي تستدعي منا نقاشا مهنيا لا شعبويا حول حزمة الإجراءات المطروحة لتجاوز هذه المعضلة.

سأبدأ من النفط نفسه مصدر السيولة الأول ومصدر اللعنة الريعية في آن واحد أعتقد أن زيادة الإنتاج النفطي واستعادة الحصة التصديرية العادلة التي يستحقها العراق داخل أوبك ليست مجرد مسألة سيادية بل هي خطوة تكتيكية بالغة الذكاء الاقتصادي لسبب بسيط هو أن كل برميل إضافي يصدره العراق اليوم يجب أن يقترن بشرط ضمني وهو تحويل عائداته إلى صندوق سيادي تنموي لا إلى تمويل الرواتب والأجور فقط وإلا تحولت زيادة الإنتاج إلى مخدر جديد يديم الإدمان النفطي.

وهنا يأتي الإجراء الثاني الذي أراه مبتكرا ويستحق الوقوف عنده طويلا وهو بيع النفط الخام لمستثمري القطاع الخاص وشركات النفط الأجنبية داخل العراق لأغراض إنتاج المشتقات النفطية هذه ليست مجرد صفقة تجارية بل هي محاولة ذكية لخلق سوق نفط داخلية موازية تحول العراق من مصدر للمادة الخام الرخيصة إلى منتج للمشتقات عالية القيمة أتخيل مصافي القطاع الخاص وهي تبتلع الخام العراقي لتنتج بنزينا وديزلا وزيوتا تصدر للأسواق المجاورة هذا هو التنويع الحقيقي حين يتحول النفط من سلعة تصدير وحيدة إلى مادة أولية لصناعة وطنية متكاملة.

نقدية عشوائية

لكن لنكن صرحاء، السوق النفطية لا تكفي وحدها لتجاوز فجوة السيولة والتنويع وهنا يأتي دور الصكوك السيادية للمشاريع التنموية الكبرى التي تمثل عبقرية مالية مزدوجة الفعل فهي من جهة تمتص السيولة النقدية العشوائية من السوق وتحولها إلى أصول مالية آمنة تدر عائدا ومن جهة أخرى تمول بنى تحتية يعجز المال العام عن تمويلها بمفرده والتجربة الماليزية في الثمانينيات والتسعينيات تؤكد أن الصكوك السيادية حين تقترن بمشاريع منتجة وليس استهلاكية تتحول إلى محرك للنمو لا إلى عبء على الأجيال القادمة.

في العمق أكثر أرى أن الإجراءات الضريبية المقترحة وعلى رأسها تعديل منحنى الضريبة التصاعدية ليست مسألة تقنية جافة بل هي إعادة صياغة للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في الاقتصادات الريعية لا يشعر المواطن أنه ملزم بدفع ضرائب لأنه لا يرى في الدولة شريكا بل مانحا غنيا لكن حين يتحول منحنى الضريبة إلى تصاعدي ذكي يعفي الفقراء ويحاسب الأغنياء بعدالة تتغير المعادلة النفسية والسلوكية معا المهم هنا ألا تقع الحكومة في فخ التجربة المكسيكية حين فرضت ضرائب القيمة المضافة دون شبكات أمان اجتماعي فانكمش القطاع الرسمي وتضخم الموازي.وهذا يقودني مباشرة إلى قضية الدعم الذي يمثل نصف الموازنة تقريبا وأرى أن تقليل الدعم للمنتوجات النفطية ليس ترفا سياسيا بل ضرورة اقتصادية وجودية لكن شرط نجاحه أن يقترن بإجراءين متوازيين الأول تحويل الدعم العيني إلى نقدي مشروط يصل لمستحقيه فعلا والثاني تقليص عدد المشمولين بنظام الحصة التموينية تدريجيا حتى يقتصر على الطبقات الأكثر هشاشة التي لا تستطيع مواجهة السوق وحدها وإلا تحول رفع الدعم إلى أداة لإفقار الطبقة الوسطى التي هي عماد أي نهضة اقتصادية.على الجانب الهيكلي لا يمكن الحديث عن تنويع الإيرادات دون المساس بجسم الدولة الاقتصادي المترهل وهنا تبرز ضرورة تحويل الشركات العامة إلى القطاع الخاص كشرط للكفاءة وتخفيف العبء المالي عن الخزينة التجارب العالمية من بريطانيا في عهد تاتشر إلى دول شرق أوروبا بعد سقوط الشيوعية تؤكد أن الخصخصة ليست بيعا للأصول الوطنية بل هي تحرير لها من البيروقراطية والخسائر المزمنة وتحويلها إلى وحدات منتجة تدفع ضرائب وتشغل عمالة وتصدر منتجات بدل أن تبتلع مخصصات الموازنة بلا طائل.

ويبقى التاج الذي يكلل كل هذه الإجراءات هو تسهيل إجراءات دخول الاستثمارات الأجنبية المباشرة لأن الاستثمار الأجنبي الحقيقي ليس فقط رأسمالا ماليا بل هو حزمة متكاملة من التكنولوجيا والإدارة والوصول للأسواق العالمية التي يفتقدها الاقتصاد العراقي وبدون هذه الاستثمارات ستظل الصكوك السيادية بلا مشاريع وستظل المصافي الخاصة بلا شركاء تصدير وستظل الشركات المحولة للقطاع الخاص بلا تحديث تقني حقيقي

في ختام هذه الرؤية التي استنبطها من قلب التجارب العالمية ومن واقع الاقتصاد العراقي أستطيع القول إن الخروج من لعنة الريع ليس رحلة تمنيات ولا قفزة في المجهول بل هو هندسة اقتصادية متكاملة ومؤلمة في بعض مراحلها تتطلب جرأة سياسية وتوافقا مجتمعيا وإرادة تنفيذية لا تعرف التردد وحزمة الإجراءات التي ناقشناها ليست قائمة أمنيات بل هي خريطة طريق اختبرتها شعوب خرجت من الفقر إلى الرفاه وأخرى تعثرت في منتصف الطريق فلتختر النخبة العراقية أي المسارين تريد ..

   قانوني مصرفي


مشاهدات 127
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/07/07 - 4:07 PM
آخر تحديث 2026/07/08 - 1:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 116 الشهر 7607 الكلي 15912734
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير