التعليم الطبي من فخ الإستثمار إلى إستعادة الرصانة
محمد الربيعي
لطالما حذر الأكاديميون والمخلصون من أن تحويل التعليم العالي إلى سلعة استثمارية هو مقامرة بمستقبل الأمن الصحي للبلاد. لقد شهدنا خلال السنوات الماضية تغولاً غير مسبوق في أعداد الجامعات والكليات الأهلية التي تجاوزت الـ 100 مؤسسة، متجاوزة في انتشارها المنطق الأكاديمي والاحتياج الفعلي لسوق العمل. اليوم، يأتي التوجيه الوزاري بشأن التعليم الطبي كاعتراف رسمي شجاع بأن التجربة السابقة كانت أقرب إلى تجارة التعليم منها الى بناء المعرفة، حيث طغت لغة الأرباح على معايير الرصانة العلمية.
لقد كان التوسع المفرط في الأقسام الطبية الأهلية بمثابة «ثقب أسود» امتص جودة التعليم. فبدلا من التركيز على جودة التدريب والبحث العلمي وتطوير المختبرات، انغمست العديد من تلك المؤسسات في سياسات قبول موسعة لا تراعي القدرة الاستيعابية، ولا توفر بيئة سريرية حقيقية للتدريب. إن انعدام الرصانة الذي أشارت إليه المسببات الموجبة في التوجيه الوزاري لم يكن مفاجئاً، بل كان نتيجة حتمية لنموذج تعليمي غلّب الكم على الكيف، مما ادى إلى تخريج حملة شهادات بدلا من كوادر طبية مؤهلة لحماية أرواح المواطنين.
خلل بنيوي
ان قرار حصر دراسة التخصصات الطبية بالجامعات الحكومية ليس مجرد إجراء إداري، بل انه طريق نحو استعادة الهوية التعليمية للعراق. لطالما كان التعليم الحكومي هو الحجر الأساس الذي خرّج قامات طبية وعلمية مشهود لها عالمياً. ان إعادة الاعتبار لهذا القطاع من خلال تعزيز الدعم المالي والإداري للكليات الحكومية يمثل تصحيحاً لخلل بنيوي استمر لسنوات، حيث تم اضعاف المؤسسات الوطنية لصالح كيانات خاصة افتقرت في كثير من الأحيان الى أدنى مقومات التعليم الطبي الرصين.اننا ننظر إلى قرار «إيقاف الاستحداث» و»وضع خطة إلغاء تدريجية» كبداية لمرحلة جديدة تتطلب يقظة مستمرة. التحدي الحقيقي ليس فقط في القرارات، بل في تطبيقها بصرامة ومنع الالتفاف عليها. إن استعادة هيبة الشهادة الطبية العراقية تتطلب:•المراقبة الصارمة: لضمان التزام الكليات الأهلية القائمة حالياً بمعايير الجودة حتى انتهاء تدرجها نحو الإغلاق.
•الاستثمار في الكادر البشري: تحسين بيئة العمل في الجامعات الحكومية لجذب الكفاءات وتحسين الجودة.
•التخطيط الاستراتيجي: ربط مخرجات التعليم بخطط التنمية الصحية الوطنية، بعيداً عن ضغوطات الربح السريع.
اخيرا، ان التوجيه الوزاري الأخير يضع النقاط على الحروف، فصحة المواطن العراقي ليست ساحة للتجارب الأكاديمية او الاستثمار المالي. نأمل أن تكون هذه الخطوة «حجر الزاوية» في ثورة اصلاحية شاملة تعيد للتعليم العالي في العراق ألقه ومكانته الرصينة التي يستحقها.