الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أوراق في مهب الريح : ديستوبيا التعليم الجامعي في الدراما العربية  


  أوراق في مهب الريح : ديستوبيا التعليم الجامعي في الدراما العربية  

 كريم عبيد علوي

 

الكثير من الأدوات الإجرائية التحليلية في الخطاب النقدي السردي في مرجعياته اللسانية و السيميائية و السايكونصية يمكن توظيفها في نقد الدراما التلفزيونية لما بين الاثنين من وشائج قوية وقريبة ومتينة . فالرواية وبإحالتها للعوالم الواقعية والمتخيلة تنصهر في رؤيتها السردية المعالجات الاجتماعية والنفسية والفلسفية . والدراما التلفزيونية الجادة والهادفة لا تبتعد عن تلك المعالجات الثلاث  في بناء الحبكة وسيرورة  الأحداث  إلى جنب أن  كثيراً من الأعمال الدرامية تأسست نصوصها على أعمال روائية مهمة ، على الرغم من تغير و تحول النص عن الأصل لإرغامات الحركة والحوار والصورة والمكان ضمن مقتضيات الإخراج في الدراما لكنه بقي يحمل بعض ملامح صورته الروائية الأصل ، فالمعادل البصري والمعادل الموضوعي والتقابل السيميائي في المشاهد ، والدلالة اللونية للأزياء والأثاث والمكان ، و التكثيف ومفهوم الإزاحة  نحو ما هو هامشي في المشاهد ، ودلالة أسماء الأعلام داخل العمل ومفهوم الصورة المجازية الكلية في البنية العميقة المسؤولة عن انسجام النص في علاقاته الخفية وكذلك الاستعارات الإدراكية في حبكة العمل الدرامي كل تلك الأدوات هي من أصول نقدية سردية في مرجعياتها اللسانية والسيميائية وتحضر كمجسات مؤثرة وفاعلة في سبر البنية الموضوعية والبنية الفنية للعمل الدرامي ، وهذه المجسات سوف يتخذها هذا المقال منطلقاً لتحليل أحد الأعمال الدرامية المصرية التي تتناول واحدة من أهم القضايا الحيوية والحساسة في المجتمع المصري وهي المشكلة البنيوية في تردي التعليم الجامعي في مصر .   فمن قبل قد اقتربت الدراما المصرية من ملفات خطيرة ترتبط بالجريمة المنظمة كالاتجار بالسلاح والآثار والتهريب والاتجار بالمخدرات  وغسيل الأموال وبيع الأعضاء البشرية وإرهاب الجماعات المتشددة إلى جنب إرهاب الأنظمة  الدكتاتورية الحاكمة واستبداد أجهزتها  الأمنية القمعية ، وجسدت هموم المهمشين والتحديات الاجتماعية التي تواجههم كالبطالة وأزمة السكن وجسدت الأمراض الاجتماعية التي تفتك بجسد المجتمع بسبب اتساع الفقر وغياب حقوق المواطنة مما أنتج شخصيات انتهازية وصولية متلونة تحترف الفهلوة والنفاق  والتسلق وركوب الموجة بما يضمن لها منافعها ويجعلها بمأمن من الانسحاق  وإنْ كان ذلك على حساب قيمها، ومن بين تلك الموضوعات كان موضوع التعليم وتصوير اهتزاز هيبة العلم باهتزاز منزلة الأستاذ الاجتماعية والاقتصادية  وبربط قيمة العلم بالحصول على الشهادة والتوظيف في وقت تتسع فيه البطالة بين أصحاب الشهادات ، وجسدت الصراع السياسي داخل أسوار الجامعة بين الإسلام السياسي المتشدد واليسار وأحزاب السلطة ، ولكن كان ثمة أمر( مسكوت عنه) لفترة طويلة وبدأت في وقت قريب أعمال درامية مصرية تتناوله بجرأة غير مسبوقة ، يتمثل هذا الأمر بالاقتراب من أزمة نظام التعليم ومشكلته البنيوية في الجامعة  وفقدان الجامعة لمركزيتها الريادية التنويرية النقدية واكتفائها بالتلقين ونكوصها عن تعزيز المعرفة النقدية لدى الطلبة وتراجع الأستاذ بأن يكون فاعلاً ملهماً في حقل المعرفة وفي ميدان الحياة الاجتماعية  وانكفائه على تسليع محاضراته وتبسيطها بنحو مخل لتنسجم مع عزوف الطلبة عن التعلم وانشغالهم بالمختصرات والملخصات ، فتصبح الشهادة الجامعية حاجة شكلية ترتبط بالقبول الاجتماعي   . يتضح ذلك في مسلسل (بين السرايات)  ، فهذا المسلسل المصري  يجسد الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمكان المحيط بالجامعة (بين السرايات) إذ يفتح نوافذ كثيرة على الحياة العلمية والعلاقات الإنسانية و يسلط الضوء على الكثير من أزمات التعليم الجامعي وتحدياته في مصر بنحو غير مسبوق  ، واسم المسلسل (بين السرايات)  الذي عرض أول مرة عام 2015  وبإخراج ( سامح عبد العزيز) يشير  في رسالة ضمنية إلى اضمحلال الطبقتين البرجوازية والوسطى التي كانت تقطن المكان  وتنامي الطبقات الفقيرة ، فهذه الظاهرة من أبرز مظاهر المجتمع العربي وواحدة من أهم أسباب تدني الحياة المدنية وتراجع المجتمع وانحسار الديمقراطية وأفول المعرفة ، والمفارقة الكبيرة أن المكان الهامشي بثقافته الشعبية وصراعه المحموم بين أصحاب المكتبات في تسويق الملازم هو من يتسلل إلى مفاصل الجامعة ويتحكم بأنماط التلقي العلمي للطلبة ويسهم في تسطيح المعلومات ، فاقتصاد المنطقة ودخل أفرادها المعاشي  يرتكز على تهيئة احتياجات الطلبة من توفير السكن لمن هم خارج القاهرة أو توفير حيوانات مختبرية كبيع القوارض والفئران لطلبة كلية العلوم ، أو تهيئة أشخاص في أقبية سرية مغلقة يقومون بمعاونة الطلبة في الغش الالكتروني الرقمي وتلقين الطلبة بالأجوبة أثناء خوضهم للامتحانات ، ويوفر المكان أشخاصاً يقومون بكتابة بحوث التخرج ورسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه للطلبة الفاشلين ، ويهيئ الحي أمكنة مناسبة لتقديم محاضرات خصوصية يقدمها بعض أساتذة الجامعة ممن يسعون وراء الكسب المادي . فالمكان  تاريخياً مثل منطقة مرموقة تقطنها معظم أسرة الخديوي محمد علي واشتملت على سراياهم وقصورهم الفارهة ، ولرقي هذا الحي فقد وقع عليه الاختيار في بناء الجامعة حينما شيدت ، ولكن المكان في الأحداث الراهنة التي يقدمها المسلسل يمثل انحسار التمدن المتحضر وزحف الرثاثة على العمران بسبب فشل مشاريع  الدولة الوطنية في التنمية ولاتساع الفقر.  

وشارة  المسلسل ومقدمته تبدأ بموسيقى كلاسيكية  جميلة وبظهور قبة الجامعة المصرية وساعتها في صور قديمة من زوايا مرتفعة وتظهر المساحات الخضراء والساحات العامة وحي السرايات في طرازه المعماري الفخم ، وتضمنت تلك المشاهد صوراً أرشيفية لأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم من رموز التنوير وأيقونات التعليم الجامعي وصوراً للخريجين  القدماء ، ثم تتحول شارة المسلسل  من تلك الذاكرة الأكاديمية الزاهية المهيبة  إلى مشاهد من الحي كما يجسده المسلسل في واقعه الراهن  البائس ، ويطل أبطاله وأولهم  الممثل (باسم سمرة)  الذي يجسد دور (مخلص) بضحكته الصفراء المخادعة وبمشاهد تتضمن الرثاثة العمرانية التي تحيط ببيئة الجامعة وغياب الفخامة العمرانية وتردي الذوق ،  يظهر كل هذا مع أغنية شعبية بإيقاع صاخب. فالتقابل الصوري في المشاهد يتضمن سيميائية قصدية تعلي من شأن الآباء المؤسسين  للحداثة وللنهضة التعليمية المتمثلة برموز الجامعة وتحقق تقابلاً متضاداً مع هيمنة حقبة طويلة من الاستبداد والقهر  في الجمهوريات العسكرية ، فهذه الشارة ترسم إشكالية  ومأساة التحول من التنوير إلى  التجهيل المنظم .

كما أن مشهد تطاير الأوراق في مكتبات الاستنساخ  في الحي ضمن شارة المسلسل الاستهلالية يمثل عتبة درامية مهمة تجسد  معادلاً بصرياً للترميز  عن معادل موضوعي يستنتجه المشاهد من  خلال تتبع حلقات المسلسل وتتمثل بسطحية التحصيل و التلقي غير الراسخ الذي لا يبني الشخصية  العلمية الرصينة للطالب الجامعي ، فما يتلقاه عرضة للنسيان وعدم الرسوخ الذهني لأنه مرتبط بهدف النجاح والحصول على الشهادة ، فتتحول تلك الملخصات الجامعية إلى نفايات لا قيمة لها فتذروها الرياح بعد نهاية الامتحان  . وثمة تداع رمزي لتطاير أوراق المحاضرات  مع تطاير ونثر النقود في حلقات كثيرة تصور الملهى الليلي الذي يواظب مخلص على قضاء لياليه الحمراء فيه ، يحضر ذلك في مقاربة تشبيهية مع تطاير الورق للترميز على الظهور بمظهر السخاء وتتضمن احتقار المال والتفاخر بتبديده من أجل ليالي حمراء زائلة تماماً مثلما هي مشاهد أوراق الملخصات والملازم التي تتطاير ترميزاً لانتهاء قيمتها بانتهاء الامتحان للإيحاء بأن المعرفة تنتهي بتأدية الطالب للامتحان ، فالمال يجنى ويتم تبديده في متع  عابثة و زائلة ، فهو وسيلة وليس غاية ،  كذلك التعليم الجامعي فهو لا يطلب لأجل العلم نفسه بل لأجل الحصول على الشهادة بأي وسيلة كانت  . وواحدة من المشاهد ذات الدلالات الرمزية الصادمة في  أول اطلالة (مخلص) وفي أول حركة له في شارة المسلسل هو عدم اكتراثه و قيامه بدفع صندوق الورق بسرعة بقدم رجله تحت المنضدة كناية عن عدم توقير العلم والاستخفاف به .

 ويجسد  بطل المسلسل  ( مخلص) شخصية الإنسان الفهلوي الذي يمتلك مكتبة كبيرة للاستنساخ ،و يحرص على أن يحصل على ثلاث شهادات وفي  كل شهادة يقضي سبع سنوات كي يبقى في داخل الجامعة  لفترة أطول كي يحظى بالصفة الرسمية في تواجده مزاولاً مهنته في تسويق الملخصات الدراسية وقرصنة الكتب والمصادر وبيعها للطلبة ، وتنمو طموحاته وأطماعه ليهمن على سوق الورق في حي (بين السرايات )  ويصبح (المعلم الكبير).

وتجسد الممثلة (سيمون) دور (صباح) بنت البلد المثابرة والمكافحة في تربية ابنها اليتيم ، فهي تخفي عن أهل الحي وفاة زوجها كي لا تتعرض للاستغلال ، وتعمل هي الأخرى بتقديم خدمات للطلبة من خلال مساعدتهم في تهيئة مكان مناسب لإيقاف سيارتهم الخاصة ، وتظهر مرتدية زياً رجالياً شعبياً يناسب العمل في الدلالة على الاحتشام والكد والتعب ،  ولكن سرعان ما تغيرت في ملامحها وفي زيها ونزوعها نحو الطمع فانخرطت مع الموجة ، فهي إذ تصارح أختها ( قمراً) برغبتها بترك هذه المهنة المتعبة  واللجوء لإنشاء مكتب لاستنساخ الملخصات للكسب المادي السريع في رغبة تراود معظم سكان الحي للتحول إلى تجارة الورق ، ولكن الثانية تنصحها بالعدول محذرة إياها من تجار الورق : (( دول(هؤلاء) مافيا  ومش حيسيبوك ))، وبإصرار تصبح واحدة من تجار الورق وتشق طريقها في حيل ملتوية فتقع في شراك الجشع و الطمع ، وتطور نشاطها من خلال تهيئة محاضرين يقدمون دروساً خصوصية في تخصصات بعيدة عن مؤهلاتهم العلمية في شكل من أشكال الزيف و الخداع العلمي ، وفي النهاية تقع ضحية للاحتيال والنصب فتفقد جمع مدخراتها من المال في صفقة وهمية من صفقات تجارة الورق .

ويعمد أصحاب المكتبات من سكان الحي لاختراق الحرم الجامعي والتأثير في الأساتذة وإغرائهم اقتصادياً في حثهم على وضع ملخصات تعليمية موجزة أو توزيع كتبهم وتوجيه الطلبة لاقتنائها حصراً من هذه المكتبات أو تقديم محاضرات خصوصية خارج الجامعة لمجاميع الطلبة . وإذ يأبى الكثيرون إلا أن البعض يقع فريسة للطمع فيتعامل مع (مخلص) ويخضع لأساليبه التسويقية التي تحط من السلوك المهني للأستاذ الجامعي ،  وأثناء ذلك يقنعهم (مخلص) بضرورة التقرب من الطلبة ومجاملتهم وخلق ألفة بينهم وينظم لهم سفرات ترفيهية تديرها مكتبته لكسر الحاجز الرسمي للتقرب من الطلبة بهدف تسويق تلك الملخصات .

ومن المعادلات البصرية السيميائية دلالة اللون الأحمر فيما يرتديه (مخلص) من ثياب وفي سيارته الحمراء وفي واجهة مكتبته وفي آثاث بيته ،  فهو يتضمن دلالة رمزية لإرادة الهيمنة والسيطرة والتأثير والجذب التجاري  ، وحينما مر بأزمة في آخر المسلسل لإحساسه بالذنب نتيجة قتل أحد المنافسين له في تزييف الكتب المقرنصة يصاب بأزمة نفسية واضطراب كبير  فيرتدي اللون الأزرق في دلالة على المرونة والسلم ويظهر الممثل ( صبري فواز) أخوه (محروس) الذي كان  مخلص متسلطاً عليه يظهر مرتدياً للون الأحمر في مشاهد كثيرة بدلاً من مخلص في كناية رمزية لتبادل الأدوار في التسلط و الهيمنة . إن دلالة أسماء الأعلام في النظام اللساني الاجتماعي هي دلالة اعتباطية ، فالمسمى ممكن أن يغير اسمه أو يعبر عنه باسم غيره إلا أن التسمية في الأعمال الروائية والسردية بنحو عام والتسمية في الأعمال الدرامية تتضمن في أغلب الأحيان دلالة قصدية إيحائية غير اعتباطية ، ومن خلالها يمكن النفاذ إلى رؤية المخرج وكاتب النص للوقائع الاجتماعية والتاريخية ، فسيميائية الاسم  في ( مخلص) تتضمن لعبة التضاد والتناقض والزيف الاجتماعي في الظهور والادعاء بغير الحقيقة ، فـ (مخلص) ليس مخلصاً في مهنته ونواياه.

ومن بين الوقائع التي جسدها المسلسل مشهد مكتبة الجامعة وخلوها من الطلبة ، فهي قفر فارغة من القراء ولا يرتادها الطلبة الا في أوقات الامتحان للمذاكرة أو طلباً للراحة  وليس لاستعارة الكتب  ، يظهر ذلك في حوار أمين المكتبة مع مجيء مخلص لاستعارة كتاب يريد تصويره  وبيعه  للطلبة والحوار عن قيمة الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني وعزوف الطلبة حتى عن الكتاب الإلكتروني واهتمامهم بالملخصات والملازم . فالمنطلق الذرائعي لدى ( مخلص ) أن العصر هو عصر السرعة في الحصول على الأشياء من دون كد واجهاد ذهني أو بدني فهو يلح على عبارة ( كله دلفيري حتى المزاكرة) . كما يلوح من المسلسل عزوف الطلبة  عن حضور المحاضرات وعدم اكتراثهم بتدوينها  وعن العودة الى الكتب المنهجية والمصادر المساعدة مكتفين بالملخصات ،بينما يقع الممثل ( محمد الشرنوبي ) الذي يجسد دور (وليد) الطالب القادم من الأرياف الى العاصمة ضحية لعوزه وفقره ويستغل التزامه ومواظبته وحضوره فيضطر للتعامل مع المكتبات ويضع لهم الملخصات ، فهو الوحيد الذي يحضر ويدون المحاضرات بينما  لا يأبه الطلبة بتسجيل وتدوين محاضرات أساتذتهم بل يعزفون عن الحضور  ويسخرون  من (وليد) لمواظبته على الحضور إذ تتفشى ظاهرة الغياب بنحو مفرط وغير مسبوق ، فيتهكمون في مخاطبته ( هوة في حد في الزمن دنا بيحضر محاضرات ) .

ويجسد المسلسل في أحد المشاهد الفساد في الرقابية الحكومية لمكتبات الاستنساخ التي تتجاوز على حقوق الملكية الفكرية وتقرصن الكتب ، فلا تتمكن لجان التفتيش  من منع تصوير المستنسخات من الكتب والملخصات الجامعية والقبض على المتجاوزين إذ سرعان ما يتم اطلاق سراحهم من قبل  بعض موظفي التفتيش وتهريبهم قبل وصولهم لمراكز الشرطة لقاء دفع الرشا .

وفي دور (قمر) تطل الممثلة (نسرين أمين ) لتمثل ثقافة المظاهر السطحية التي تحاول أن تتزين بالشهادة من غير رغبة في العلم ، فعلى الرغم من تخرجها وحصولها على الشهادة إلا أنها في الحلقة الأخيرة و بعد التغيير وقيام ثورة يناير في نهاية المسلسل  تدرك في قرارة نفسها أنها لا تمتلك مؤهلاً علمياً حقيقياً فهي تشعر بخواء وفراغ داخلي فتقرر في نهاية المطاف التقديم إلى الجامعة مرة أخرى  لتتعلم بنحو حقيقي وتنال شهادة ثانية . إن دلالة اسم (قمر) في المسلسل مثل دلالة اسم (مخلص) يتضمن إيحاء رمزياً ، فالاسم على غير المسمى، فقمر لا تمتلك مسحة من الوسامة ، فكان شغلها الشاغل هو التبرج وظهرت في صالونات التجميل في مشاهد كثيرة  جداً ومبالغ فيها ، للترميز عن قباحة الجهل الذي يموه  بالغش والظهور بالمظهر العلمي المزيف  دون امتلاك ناصية التحصيل العلمي الحقيقي ، فقد كانت ترتدي زي النقاب طوال فترة الامتحانات رغم سفورها كي تتمكن من الغش بوساطة لاقطة الأذن . وقد تزوجها (مخلص) مضطراً بهدف الإنجاب ؛ لأن زوجته الأولى التي يحبها الممثلة ( روجينا) التي جسدت دور ( سمر) كانت عاجزة عن الإنجاب ، لكنَّ (قمراً)قد خدعته إذ تعمدت عدم الإنجاب منه في كناية إيحائية أن الحصول على الشهادة بغير استحقاق هو خداع للمجتمع ، فمن يحمل الشهادة التي حصل عليها من خلال الغش لا يمتلك الأهلية في تقديم خبراته النظرية والعملية التي يفترض أن تحصلها في الجامعة . فقد استغلت ثراء (مخلص) بسبب فقرها وخدعته في تعمدها عدم الإنجاب ، فكانت النهاية الطلاق بينهما. وثمة استعارة رمزية ذكية جداً وراء عدم إنجاب (مخلص) على الرغم من قدرته  على الإنجاب وعلى الرغم من زواجه الثاني من ( قمر) ، فهذه الاستعارة لم تكن دلالة مجازية ينتظم فيها مشهد واحد أو مشاهد عدة من المسلسل بل هي استعارة مجازية كلية للعمل الدرامي بأكمله فهو مجاز ممتد ، تتلخص الاستعارة بعقم وعجز الممارسات التبسيطية والتسطيحية لأفكار العلم بهدف الكسب والاستثمار في التعليم أقول عجزها  عن إنتاج فكر نقدي وإضافة نوعية للمجتمع ، فسبيلها الوحيد هو إنتاج خريجين يحملون شهادات جامعية ويفتقدون الأهلية العلمية في الإحاطة بتخصصاتهم ، فالشهادة تصبح منالاً سهلاً لغرض الحصول على فرصة عمل و القبول الاجتماعي فحسب . وإذا جرى النظر لهذه الاستعارات من منظور اللساني (جورح لايكوف) في منطلقاته التصورية الإدراكية فإن هناك مجالاً هدفاً يتمثله الذهن( التعليم التلقيني) من خلال مجال تصوري يعد مصدراً (العقم في الإنجاب)، وهذا الأخير هو نتاج ثقافة المرء وتجاربه ، وغالباً ما تكون الاستعارات التي تحضر في الخطاب استعارات تواضعية غير إبداعية يمتاحها الخطاب الدرامي من وحي ثقافة العامة في أنساقها العرفية الاجتماعية ، والأمر نفسه ينطبق على استعارات (عقم الفكر) في هذا المسلسل ، فهي من الاستعارات التواضعية ، ففي النسق الثقافي تلوح استعارات التثاقف والتحصيل من خلال الحقل الدلالي للتزاوج الإنساني ، فالمثاقفة يعبر عنها بـ (تلاقح) الأفكار ، والفكر الأصيل يسمى (بنات الأفكار ) ،  والتعليم التلقيني الذي لا ينتج إضافة معرفية يسمى بـ (الفكر العقيم) ، وغالباً ما يطلق المبدعون والمؤلفون على نتاجهم و إصدارهم الأول من مؤلفاتهم بـ (الابن البكر) وبقية المؤلفات بـ (الأولاد) ، فنتاجهم العلمي هو من يحمل اسمهم بعد رحيلهم ،ويطلق نعت (الاب )على أصحاب النظريات والمناهج من ذوي النصوص النظرية التأسيسية ، فمن يقتفي أثر المؤسس يسميه أباً روحياً . إن الاستعارة الكلية(المجاز الممتد) في النصوص وفي الأعمال الدرامية الذي ينتظم فيها العمل بأكمله تضطلع بتحقيق الانسجام في بنيته العميقة ، فإذا كانت الحبكة تمثل نسيجاً سطحياً لتماسك العمل الدرامي فإن القصدية والقوانين الدلالية الخفية التي تجعل العمل بمشاهده وحلقاته المختلفة بنية دلالية واحدة ينتظم المسلسل  فيها بكل حلقاته هي تلك الاستعارة الخفية الكلية في مجازها الممتد في المعادلات الموضوعية و التي لا يمكن تلخيص وظيفتها بالتشويق والحفاظ على المسلسل من أن ينزلق إلى الميليودراما و ظمآن حبك الأحداث بل هي من تجسد رؤية كاتب النص والمخرج إزاء تلك الأحداث الدرامية وإحالتها الواقعية الممكنة فهي تجلٍّ للرؤية الذاتية للمخرج والكاتب.

والمسلسل يوظف فكرة الديستوبيا التي تجسد عالم الشر والفقر  والفتنه والصراع والعنف والكوارث التي تحل بالأفراد في مجتمع الديستوبيا  ، فالفاعلون في أدوارهم يجسدون رمزية الشر والسيطرة إلى جنب سمة مهمة هو انغلاق مجتمع الديستوبيا على نفسه وتحكم رؤوس معينة في إدارة هذا العالم المغلق المليء بالشر  ، وهم أصحاب مكاتب الاستنساخ الكبار الذي هم في الأصل تجار الورق ويقومون بقرنصة الكتب وإعادة تصويرها بأثمان زهيدة في احتيال على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين .

وتظهر مشاهد كثيرة صادمة من العنف و القتل والتحرش والغش والشجار والخداع والنصب والاحتيال ونكران الجميل والتنكر لأصحابه وعدم الوفاء ، فتغيب مسحة الخير بين الحي من أبطال المسلسل ، فالاحتيال والجشع والخديعة والاستغلال والطمع تعم حتى  بين العلاقات الأسرية الواحدة وبين تجار الورق وجيران الحي .

ولحظة اندلاع ثورة يناير يصابون بصدمة كبيرة بسبب إضراب الطلبة عن الدوام وانخراطهم بالتظاهر وما ألحق ذلك من كساد في استنساخ الملخصات والملازم واقتناء الكتب ، فلم يبدوا أي تعاطف مع الحراك الوطني واكتفوا بحراسة وحماية مكتباتهم وحيهم المغلق .وفي كثير من الأعمال الدرامية المصرية الأخيرة احتل ميدان التحرير اهتماماً كبيراً إلى حد المبالغة في تجسيد الروح الوطنية وحركة الشخوص الفاعلين وانخراطهم في الثورة وتعرضهم للعنف غير أن مسلسل بين السرايات يكتفي فيه أهل هذا الحي بمشاهدة أحداث الثورة من شاشات التلفزيون ، فهم من المتوجسين من التغيير أما خوفاَ من المجهول لجهلهم أو أن كثيراً منهم من أصحاب مكتبات وتجار ورق كان يخشى من رياح التغيير ومآلات الكساد الاقتصادي من أن تضرر تجارتهم . وفي الإخراج الفني لهذا العمل يمكن ملاحظة الرسالة الضمنية لضيق أفقهم الفكري وجهلهم المطبق في المعادل البصري إذ إن حركة الأشخاص والكاميرا تحصل في زقاق ضيق جداً ولا ينتهي إلى شوارع رئيسية إلى جنب شيء مهم جداً هو أن إطلالة نوافذ البيوت يمتد فيها الإسقاط البصري  في نظر الأشخاص  إلى بعضهم البعض في مراقبة الأحداث ويغيب أفق المدينة وسماؤها وشمس نهارها  تماماً ، والاستثناء الوحيد   يبرز في ذروة  احتدام الصراع بين أهل الحي إذ يظهر القمر بصورة البدر بنحو مخيف في مظهر شبيه لظهوره في أوقات الخسوف في ضوء باهت غير ساطع مثلما يظهر في أفلام الرعب كناية وترميزاً إلى أنَّ ثمة لعنة كونية هي المسؤولة عن دستيوبيا هذا المكان ، بينما ينتهي المسلسل بعد انتصار ثورة يناير بأطلاله أهل الحي إلى أفق السماء بنحو مضيء ورحب .أما نهاية العمل فقد بدت مرتبكة جداً وسعيدة أكثر من ممكنات الواقع بنحو لا ينسجم مع فكرة الديستوبيا التي لا يمكن أن تنتهي نهاية سعيدة مما أودى بفنية العمل لصالح الأيديولوجيا  ، فمنطق الديستوبيا يقتضي نهاية سوداوية وانهيار  صادم و دامٍ يؤرق المشاهد ويسلبه جنبة التسلية والإمتاع ، ولكن يمكنه من أن يشرع نوافذه لمراجعة أسئلة إشكالية يرزح تحتها الواقع الاجتماعي بهدف المعالجة والإجابة مثل مسلسل (دهشة) ليحيى الفخراني في نهايته المأساوية في مكانه المغلق قرية ( دهشة) والصراع من أجل الذهب والمال بين القرابة الواحدة ، وربما دائرة المسموح والممكن من الحرية المتاحة للمخرج هي التي اقتضت  أن ينتهي المسلسل بهذه النهاية المؤدلجة غير الفنية ،وعلى الرغم من ذلك إلا أن ثمة رسائل مشفرة حرصت المشاهد الأخيرة أن تتضمنها ، فقد ظهر أهالي الحي  لأول مرة في الفضاء الأخضر الطلق في الحدائق القريبة من جامعة القاهرة . ومن بين المشاهد الأخيرة ظهور عمال الخدمات في حملة تنظيفية  في غسل أروقة الجامعة وكنس باحاتها من الأتربة وبنشاط وهمم دؤوبة في الترميز إلى التطهير الإداري للعناصر غير المؤهلة في التعليم وإزالة عوائق التفكير العلمي النقدي المؤمن بالتغيير ، ويصادف هذا المشهد مرور مجموعة من الأساتذة من بينهم أستاذة تبادر مسرعة للانحناء لالتقاط مكنسة تنظيف سقطت من يد أحد عمال النظافة ، فالمغزى من المشهد الذي يبدو هامشياً أن التطهير وتغيير مناهج التعليم وفلسفته برؤيا سياسية مهما نجحت إلا أنها متعثرة بدون بصيرة وقادة من داخل الجامعة نفسها تستشرف التغيير وتصنعه برؤية ومنهجية علمية ،فواحدة من نوافذ التعبير عن المكبوت وغير المصرح به من المنظور الفرويدي هو إسقاط المعنى على شيء عارض وهامشي ليتجلى في الوعي الظاهر عابراً حدود اللاشعور والمكبوت من خلال  التكثيف والإزاحة إلى ماهو عارض وهامشي وهذا ما حصل في مشهد التقاط المكنسة . كما يظهر مشهد الجامعة ولاسيما مشهد القبة بنحو مهيمن وتظهر مساحاتها الخضراء في حملة تنظيفية تتضمن إزالة الأتربة والأوساخ وجمع النفايات وطلاء الجدران باللون الأبيض كما يظهر الحي مبتهجاً بنشر الأعلام المصرية وطلاء الجدران باللون الأبيض في دلالة رمزية في البدء بصفحة جديدة .

إن النهاية المؤدلجة للمسلسل وتصوير أحداث ثورة يناير لم تضحِ بفكرة الديستوبيا فقط ، فهي أسهمت بإطالة غير مسوغة لحلقات المسلسل ، فقد تضمنت مشاهد متشابهة في الفكرة وحوارات لا تصب في السيرورة الدرامية بل لمقتضيات إنتاجية  لإطالة المسلسل و توفير 30 حلقة تعرض على مدار شهر رمضان الموسم التسويقي للأعمال الدرامية  .

ولكن هل تصدق فنياً  فكرة الديستوبيا على أحداث المسلسل على الرغم من واقعية معظمها أحداثه ؟ فإذا كانت (اليوتوبيا) المفردة اليونانية تعني المدن الافتراضية المتخيلة وغير الواقعية التي حلم بها الفلاسفة والتي يسود فيها الخير المطلق والسعادة والهناء بين البشر في تسامحهم وتصالحهم فان (الديستوبيا) وهي مفردة يونانية أيضاً على النقيض منها ، فهي مدن مغلقة متخيلة وغير واقعية أيضاً و يسود فيها الشر المحض ويغيب فيها الخير ، ويسيطر عليها مجموعة من الأشرار يديرون العنف والشر في أمكنة ضيقة تمثل عالم الديستوبيا ، ويقعون تحت تأثير لعنة  كونية تمثل شؤماً يلحق بهم الكوارث . وقد استلهمت الديستوبيا فنياً في أعمال مسرحية وروائية وبعض الأعمال الدرامية ، كان من أبرزها في الدراما العربية المصرية مسلسل ( أفراح القبة) ، وهو في الأصل رواية لنجيب محفوظ ، وكذلك مسلسل (دهشة) ليحيى الفخراني المستوحى من مسرحية ( الملك لير) للكاتب الإنكليزي وليم شكسبير  فالديستوبيا تهدف لمعالجة فكرة الشر فلسفياً من خلال أعمال أدبية وفنية، فهل تصدق الديستوبيا على أحداث المسلسل المذكور التي تمثل في معظمها أحداثاً واقعية تفتك في التعليم ويلمسها الجميع مع وجود أيضاً أحداث من الشر غير واقعية في وصف تردي التعليم  في سوداوية طاغية ومفرطة ومبالغ فيها ؟ نرى من منظور درامي فني أنها (الديستوبيا) تصدق على أحداث المسلسل على الرغم من واقعية بعض أحادثها. فالمزج بين الواقعية والديستوبيا يتضمن رسالة ضمنية مشفرة تؤشر إلى التردي المذهل للواقع  و تحذر من أن عدم معالجة الفساد وأسبابه من الفقر والجهل وتردي التعليم وتفاقم أزماته سوف تنتهي بنتائج كارثية مستقبلاً وغير متوقعة من انهيار منظومة القيم وسيطرة مسوخ الشر من البشر وزحفها لهدم معقل التنوير المتمثل بالجامعة من خلال تكريس التلقين وغياب المعرفة النقدية الحرة والمنتجة.

إن اختيار (بين السرايات) بؤرة للأحداث لا يصب في تحقيق فكرة المكان المنعزل في الديستوبيا فحسب بل هو اختيار فني يحقق التكثيف في السرد في اختصار الأحداث والشخصيات  الكثيرة التي تسهم وتضطلع في تردي التعليم وانهيار جودته ورصانته ، فالأمر لا ينحصر بتجار الورق وصانعي الملخصات من أصحاب المكتبات بل هناك تدنٍ في مستوى التعليم داخل أسوار الجامعة يسهم فيه أشخاص كثيرون ، كما يسهم في هذا الانهيار العلمي غياب سياسية تعليمية حكومية ، فالتكثيف السردي الدرامي يوحي فنياً بذلك  ، فشخصية (مخلص)  في تقنية التكثيف تختصر العشرات من شخصيات الجامعة ومن شخصيات الحكومة ومن يمثل فساد الأجهزة الرقابية ، وهي حيلة ذكية في الإسقاط لتحاشي تبعات البوح الصريح وتفادي الرقابة الفنية وتفادي حظر الأعمال الدرامية من قبل الرقيب الحكومي ، و يمكن استنتاج ذلك من خلال النهاية السعيدة التي لا تنسجم مع منطق الديستوبيا ، فالعمل يبقى حذراً من تبعات البوح الصريح ولكنه يرسل رسائل ضمنية، ففي المشاهد الأخيرة وعلى الرغم من حملات التنظيف ورمزيتها  إلإ أن مخلصاً يبقى مرتدياً للون الأحمر في إشارة لونية لبقاء الجشع والاختراق وفي دلالة إلى أن الخطر الحقيقي يبقى جاثماً على الرغم من التغيير ، و يتلخص هذا الخطر في الاستثمار في التعليم الذي يجد مقوماته وأسباب بقائه في الفساد الحكومي وهو تحد كبير يواجه أي تغيير في إصلاح التعليم .

*باحث وتدريسي بجامعة بغداد .


مشاهدات 56
الكاتب كريم عبيد علوي
أضيف 2026/07/01 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 4:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 289 الشهر 1352 الكلي 15906479
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير