الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ثورة العشرين مدرسة.. صدمة عراقية أيقظت غاندي من وهم الوعود

بواسطة azzaman

ثورة العشرين مدرسة.. صدمة عراقية أيقظت غاندي من وهم الوعود

محمد صالح البدراني

 

لم تكن ثورة العشرين في العراق (1920) مجرد واقعة حربية محلية انحصرت أصداؤها بين شواطئ دجلة وشط الفرات، بل كانت زلزالاً جيوسياسياً وهزّة وجودية ضربت أركان الإمبراطورية البريطانية في لحظةٍ خُيّل إليها أنها ورثت الأرض ومن عليها بعد الحرب العالمية الأولى، وفي تتبع مسارات التاريخ وفلسفة التحرر، نجد خيطاً رفيعاً، لكنه متين وعميق، يربط بين دم السيادة المراق ما بين أيار و تموز، ولادة «مقاومة العصيان السلمية الشاملة» في الهند على يد المهاتما غاندي في أغسطس 1920؛ هي مقاربة متناغمة مع إمكانية القبول في العقلية الثورية سلمية أو مقاومة، إنها لحظة الاصطدام الكبرى بالواقع، الراكشاسا (الوحش الماص للدماء والخيرات)، والتنين فريترا (مُحتكر شريان الحياة) الذي تمثله بريطانيا ـــــــــ في ذاكرة غاندي الهندوسيةــــــــــــــــــ ضعف فلنتحرر من تعليل انفسنا بالوعود الكاذبة.

وعود زائفة

لقد تخرجت النخب الشرقية، العربية منها والهندية، من أتون الحرب العالمية الأولى وهي محملة بوعود «حق تقرير المصير» و»التحالف من أجل الحرية»، وكانت الثورة العربية الكبرى عام 1916 تجسيداً دراماتيكياً لهذا الأمل؛ حيث تحركت الجيوش والقبائل بناءً على مواثيق غليظة مع التاج البريطاني، لتستيقظ على خنجر مسموم يمزق الجغرافيا في «سايكس بيكو»، وفي العراق، لم يكن المجتمع يعيش سايكولوجية «الشعب المستعبد» لقرون؛ إذ كان العراقيون يرون في الحكم العثماني، رغم كل مابه، مظلة ذات شرعية دينية وتاريخية هم جزء أصيل منها؛ لذا، أحدث إعلان «الانتداب» البريطاني صدمة أنطولوجية (وجودية) هزت وعي الذات العراقية.

انتصار الدم

هنا تحرك العقل المنظّم متمثلاً بـ «ضباط العهد» الذين امتلكوا التخطيط العسكري الحديث بفضل تجربتهم في المؤسسة العثمانية، ومثقفي جمعية «حراس الاستقلال» في بغداد، ليتحدوا مع المرجعيات الدينية والنخوة العشائرية، فلم يكن الحراك العراقي عشوائياً إذن، أو فورة فلاحية بدائية كما روجت لها البروباغندا الاستعمارية لتجريدها من وعيها، بل كان مشروع دولة متكامل صاغته عقول واعية قررت فرض السيادة كأمر واقع، ورفضت مبدأ الاستجداء الأخلاقي من محتل غريب، ضحت وفاوضت.

غاندي وقرار الخلاص:

في تلك الأثناء، على الجانب الآخر من المحيط، كان المهاتما غاندي يمارس نضاله بأسلوب مغاير تماماً، كان غاندي، حتى أوائل عام 1920، يتبنى فلسفة الإصلاح من داخل النظام الإمبراطوري، ويدعو إلى التعاون والتماس الحقوق بالوسائل الدستورية والتقشف، بل إنه أسهم سابقاً في تجنيد الشباب الهنود لصالح الجيش البريطاني، مأخوذاً بوعود الإنجليز بالاستقلال الذاتي بعد الحرب، لكن صيف عام 1920 غيّر مجرى الوعي الكوني.

بينما كانت المخابرات البريطانية تنقل تقاريرها المذعورة إلى لندن ودلهي عن عجز الآلة العسكرية الأعتى في العالم عن إخماد عنفوان العراقيين، كان غاندي يرقب بدقة هذا الانكسار التاريخي للإمبراطورية، لقد تيقن غاندي، من خلال الصمود العراقي، أن هيبة بريطانيا العسكرية مجرد وهم يمكن دكه، وأن الوعود البريطانية بالحرية لم تكن سوى مخدّر موضعي لتنويم الشعوب مغناطيسياً، غير أن العبقرية الفلسفية لغاندي تجلت في إدراكه لخصوصية نسيجه الاجتماعي؛ فالجغرافيا الهندية كانت شاسعة، والجسد الهندي كان ممزقاً بالطبقية الحادة والطائفية، والأخطر من ذلك أن ملايين الهنود كانوا هم أنفسهم القوام البشري والترس المحرك للمؤسسة الاستعمارية؛ هم الشرطة، والقضاة، والموظفون، والجنود.

هنا اجتمعت الحكمة بالواقع؛ أدرك غاندي أنه لو أعلن كفاحاً مسلحاً واجه به الإنكليز على غرار ثورة العشرين، فلن يواجه البريطانيين القلائل، بل ستنشب حرب أهلية طاحنة يقتل فيها الهنديُّ أخاه الهندي، وتتحول الثورة إلى محرقة تلتهم المجتمع من الداخل، من رحم هذه المعضلة البنيوية، ومن وحي اليقين بأن الإمبراطورية يمكن ممانعتها، ولد قرار غاندي التاريخي في أغسطس 1920 بإطلاق حركة «عدم التعاون والمقاومة السلبية الشاملة».

لقد استمد غاندي الدافع النفسي والجرأة السياسية من الوعي الذي فجرته ثورة العشرين؛

كمنطق الثوار، لكنه صاغ السلاح الذي يناسب جروح بلاده، تحول غاندي من داعية للتعاون إلى مهندس لشلّ مفاصل الإمبراطورية، عبر سحب الشرعية الشعبية والمؤسساتية عنها، مفلساً إياها أخلاقياً واقتصادياً أمام العالم، وتبقى الثورة من جراء سبب ولسبب وان هنالك عوائد تحدد معنى الانتصار، وليس تدمير العدو وانما جذبه ليفكر معك بمصلحتكما.

خاتمة:

إن القراءة الفلسفية للأحداث الممتدة بين 1916 و1920 تكشف عن نضوج متسارع وباهر للعقل السياسي الشرقي، فبعد أن كانت الحرية تُطلب في عام 1916 عبر قنوات التفاوض والتحالف الدبلوماسي مع القوى الكبرى، تحولت في عام 1920 إلى انتزاع قسري وإرادة لفرض الأمر الواقع، تلاقت ثورة العشرين المسلحة المنظمة في العراق مع ثورة أغسطس السلمية الشاملة في الهند ليشكلا فكّي كماشة حطمت الكبرياء الاستعماري، لقد كانت دماء العراقيين ووعي نخبهم العسكرية والمدنية بمثابة جرس الإنذار الكوني الذي أيقظ غاندي من نومه الفكري، ليوقن العالم أجمع أن الحقوق لا تُمنح كمنحة دولية، بل تُنتزع بصمود الشعوب؛ سواء كان ذلك بطلقات البنادق المنظمة، أو بصلابة الأجساد العارية التي ترفض الانصياع.

 

 


مشاهدات 58
الكاتب محمد صالح البدراني
أضيف 2026/07/01 - 4:55 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 3:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 223 الشهر 1286 الكلي 15906413
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير