الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة وتأويل لقصيدة (الطوفان ..يا يافث اين المفر ؟) للشاعر عبد المنعم حمندي


قراءة وتأويل لقصيدة (الطوفان ..يا يافث اين المفر ؟) للشاعر عبد المنعم حمندي

رياض عبد الواحد

 

مقدمة:

تنتمي هذه القصيدة إلى ذلك النمط من الشعر الحداثي الذي لا يكتفي بإعادة إنتاج الحكاية وإنما يعيد بناء الذاكرة الإنسانية كلها عبر منظومة من الرموز والأساطير والتناصات الدينية والتاريخية. فالطوفان هنا ليس حادثة كونية فحسب بيد انه صورة وجودية تتكرر كلما بلغت الحضارة ذروة فسادها، وكلما صار الخراب شرطاً أولياً لولادة عالم جديد.

لقد استثمر الشاعر شخصيات ذات حمولة حضارية عميقة، مثل نوح ويافث وإنليل، ليصنع نصاً يتجاوز المرجعيات المغلقة فيجمع بين الأسطورة الرافدينية والرواية الدينية، وبين الهم العراقي المعاصر والأسئلة الكونية الكبرى، فتغدو القصيدة فضاءً لتفاعل الأزمنة لا لتجاورها.

ولا تقوم بنية النص على السرد بل على التداعي الرمزي، إذ تتوالد الصور من بعضها بعضاً وتتنامى الدلالات وفق منطق الإيحاء لا التتابع الحكائي، وهو ما يجعل القصيدة منفتحة على قراءات متعددة، ويمنحها طاقة تأويلية عالية.

النصيص كبنية  لسانية وبنيوية:

(الطوفان.. يا يافث أين المفر؟)

يُعد النصيص أول عتبة تأويلية في النص، وقد نجح الشاعر في جعله نصاً مصغراً يختزن البنية العميقة للقصيدة بأكملها.

لسانياً يتكون النصيص من وحدتين مختلفتين:

الطوفان

اسم معرف بأل التعريف لكنه لا يؤدي وظيفة التعريف النحوي فحسب بل يتحول إلى حقيقة كونية مطلقة، وكأن الطوفان هو الطوفان المعروف الذي تختزنه الذاكرة الإنسانية كلها.

فالـ(أل) هنا ليست للعهد القريب إنما للعهد الحضاري.

ثم تأتي الجملة الثانية:

يا يافث أين المفر؟

وهنا ينتقل النصيص من الإخبار إلى الخطاب.

فالنداء يفتح فضاءً حوارياً بينما الاستفهام لا يبحث عن جواب لكنه يؤسس للقلق الوجودي.

من الناحية التداولية فالسؤال  يحمل دلالة النفي، أي إن المفر غير موجود أصلاً.

إذن ينتقل النصيص من:

الحدث → الشخصية → السؤال

وهو انتقال يمثل البنية الداخلية للنص كله.

 البنية الثنائية للنصيص:

يقوم النصيص على ثنائية متقابلة:

الطوفان / المفر

الهلاك / النجاة

الكارثة / الأمل

غير أن القصيدة تفكك هذه الثنائية تدريجياً، إذ يتحول الطوفان نفسه إلى طريق للخلاص.

ولهذا يقول:

(وطوفان يغسل مرآتنا والشرور)

فالطوفان لم يعد أداة فناء بل صار وسيلة للتطهير.

وهنا تنقلب الدلالة التقليدية رأساً على عقب.

 النصيص بوصفه برنامجاً دلالياً:

في المنهج البنيوي يعد النصيص برنامجاً يسبق النص.

ولو تأملنا القصيدة نجد أنها لا تخرج عن عناصر النصيص الثلاثة:

الطوفان...

ثم يافث...

ثم البحث عن المفر.

حتى النهاية لا نجد جواباً للسؤال، لأن القصيدة تنتهي بقولها:

(فلا أرض تبلع نار المياه ولا في العواصف لبّى الإله!)

أي إن السؤال ظل معلقاً حتى آخر سطر.

وهذه من علامات النص الحداثي الذي يستبدل الحل بفتح التأويل.

 البنية المعجمية:

يعتمد النص على حقول دلالية واضحة تتكرر بنحو لافت:

حقل الماء

الطوفان

الماء

الأنهار

السيول

السفن

السماء

البلاء

الفيض

...

ويقابلها مباشرة

حقل الأرض

الطين

الأرض

الجبل

الصخرة

النواويس

اللحود

الرماد

العروق

وهناك حقل ثالث

حقل الزمن

العصور

الليل

الشروق

الهزيع

النشور

الفناء

البعث

إن هذه الحقول لا تعمل مستقلة لكنها تتشابك فيما بينها لتصنع حركة النص.

 البنية الإيقاعية:

على الرغم من أن القصيدة تنتمي إلى قصيدة التفعيلة الحرة، فإن الموسيقى الداخلية شديدة الحضور.

ويتحقق ذلك عبر:

التكرار

مثل:

(من هنا... من هناك...)

والتوازي:

(بين عصر يجيء وعصر يروح بين ليل وليل وما بين نفي وإثبات)

فهذه البنية التوازنية تمنح النص إيقاعاً يشبه حركة الأمواج.

كما يعتمد الشاعر على التقفية الداخلية:

هباء

دماء

وباء

فضاء

صفاء

فداء

فناء

هناء

بلاء

دماء

وهو تكرار صوتي يجعل حرف المد ثم الهمزة بمثابة اللازمة الموسيقية التي تلاحق المتلقي حتى نهاية النص.

 البنية الصورية:

ليست الصورة في القصيدة صورة وصفية.

إنها صورة تحويلية.

فمثلاً:

(تركض الشمس في جبة من دماء)

الشمس لا تركض.

ولا ترتدي جبة.

لكن الشاعر يخلق علاقة جديدة بين الضوء والدم، فيصبح الضوء نفسه ملوثاً بالعنف.

وكذلك قوله:

(يمضغ الوجد أسرارها)

فالوجد يتحول إلى كائن حي يلتهم الأسرار.

وفي قوله:

(تشربه الأرض)

تصير الأرض جسداً حياً.

إن هذه الانزياحات اللغوية هي التي تمنح القصيدة حداثتها.

البنية الرمزية:

لا يتحرك الرمز بنحو منفرد

بل في شبكة كاملة.

فـ:

نوح = الحكمة.

يافث = الامتداد البشري.

إنليل = السلطة الكونية.

الطين = الخلق.

الماء = التطهير.

الجبل = النجاة.

الغراب = المعرفة الملتبسة.

وهكذا لا نجد رمزاً يؤدي معنى واحداً وإنما يتحول كل رمز إلى مركز تتولد منه معانٍ عديدة.

 تقييم بنيوي:

نجح الشاعر في بناء نص شديد التماسك على الرغم من كثافة الإحالات المرجعية.

فلم تتحول الأسطورة إلى عبء معرفي بل اندمجت في النسيج الشعري اندماجاً عضوياً.

كما حافظ النص على وحدة رمزية متماسكة، إذ بقيت جميع الصور تدور حول فكرة واحدة هي الطوفان بوصفه لحظة انتقال من عالم يحتضر إلى عالم يتخلق من جديد.

ومن أبرز مكاسب القصيدة بنيوياً أنها لم تجعل النهاية جواباً للسؤال الذي طرحه النصيص بل أبقت سؤال (أين المفر؟) معلقاً، ليغدو سؤالاً إنسانياً مفتوحاً لا يخص يافث وحده بل يخص الإنسان في كل زمان ومكان.

                     

(القراءة الأسطورية والتناصية)

الأسطورة بوصفها بنيةً لإعادة إنتاج المعنى

                          

 إذا كانت القراءة البنيوية قد كشفت عن انتظام البنية الداخلية للقصيدة، فإن القراءة الأسطورية تكشف عن طبقة أعمق، إذ لا يكتب الشاعر عن الطوفان بوصفه حادثة تاريخية أو دينية لكن بوصفه النموذج الأول الذي يتكرر كلما دخل العالم طوراً من الفساد يستدعي إعادة التكوين. ومن هنا فإن النص لا يستدعي الأسطورة للزينة الثقافية وإنما يجعلها اللغة التي يُقرأ بها الحاضر.

إن أول ما يلفت الانتباه هو الجمع بين شخصيات تنتمي إلى مرجعيات مختلفة: إنليل، الإله الرافديني المرتبط في الميثولوجيا السومرية بقرار الطوفان، ونوح ويافث، بوصفهما شخصيتين من الذاكرة الدينية. وهذه المجاورة ليست تلفيقاً بل هي إعادة تركيب لذاكرة حضارية واحدة، كأن الشاعر يقول إن الأساطير والأديان ليست جزرًا منفصلة، وإنما تتقاطع عند سؤال الإنسان الأبدي: كيف ينجو العالم من نفسه؟

ويظهر هذا التداخل منذ قوله:

(غاضباً.. كان "إنليل)

من (يافث المزدهِي بالضياء)

فالقصيدة لا تعيد رواية الأسطورة لكن تعيد توزيع أدوارها. إنليل هنا ليس إلهاً ميثولوجياً جامداً لكنه رمزٌ للقوة الكونية التي تواجه الإنسان حين يختل ميزان الوجود، بينما يافث لا يمثل فرداً بعينه إنما يمثل الامتداد الإنساني بعد الطوفان، أي المستقبل الذي يُولد من رحم الكارثة.

ومن أبلغ مظاهر التناص قول الشاعر:

(والسر طوفان نوح

يمحق الظلمات)

فهنا ينتقل الطوفان من كونه عقوبة إلى كونه فعلاً تطهيرياً. وهذه قراءة حديثة لرمز الطوفان ، إذ يغدو الماء قوةً تمحو العتمة الأخلاقية قبل أن تمحو اليابسة. ومن ثم فإن الطوفان ليس نهاية التاريخ لكنه بداية تاريخ جديد.

ولا يقف التناص عند حدود الشخصيات بل يمتد إلى البنية القرآنية نفسها حين يقول:

(قال: يا قوم إني نذير مبين)

فالاقتباس القرآني لا يأتي بوصفه استشهاداً، وإنما بوصفه نقطة ارتكاز دلالية داخل النص. فالخطاب النبوي يتحول إلى خطاب شعري، والإنذار يصبح إنذاراً حضارياً موجهاً إلى الإنسان المعاصر، لا إلى قوم نوح وحدهم.

وتزداد هذه الرؤية وضوحاً في قوله:

(أنذر السيل أنهاره، وترجّى السماء)

إن هذه الصورة تُعد من أجمل الانزياحات في القصيدة؛ إذ يُسند فعل الإنذار إلى السيل، وهو فعل يختص عادةً بالأنبياء والعقلاء. وبهذا تتحول الطبيعة إلى كائن ناطق، وتصبح عناصر الكون شريكةً في إنتاج المعنى، وكأن الخراب نفسه صار واعياً بما سيؤول إليه العالم.

ومن الناحية الأسطورية، يستثمر الشاعر كذلك رمز الغراب في قوله:

(فاستشار الغراب إذا ما بنى سفناً)

فالغراب في الذاكرة الدينية والميثولوجية رمزٌ ملتبس، فهو رسول الكشف أحياناً، ونذير الخراب أحياناً أخرى لذلك فإن استشارته تمنح النص توتراً دلالياً لأن المعرفة -هنا- لا تأتي من اليقين لكن من الكائن الذي يقف على تخوم الحياة والموت.

كما تتجاوز القصيدة الحكاية التقليدية للطوفان عندما تقول:

(وطوفان يغسل مرآتنا والشرور)

فالمرآة هنا ليست شيئاً مادياً، وإنما هي الوعي الإنساني. والطوفان يغسل المرآة لا الأرض، أي إنه يطهر الإدراك قبل أن يطهر الواقع. وهذا التحول الرمزي من الخارج إلى الداخل من أبرز سمات الشعر الحداثي.

ومن أهم خصائص القصيدة أنها لا تنظر إلى الأسطورة بوصفها ماضياً منتهياً بل بوصفها زمناً دائرياً يتكرر. ويكشف عن ذلك قوله:

(ويافث في المدلهمات عبر العصور

بين عصر يجيء وعصر يروح)

فهذه الحركة الزمنية تلغي الخطية التاريخية، وتؤكد أن الإنسان يعيش طوفانات متكررة تختلف أشكالها وتبقى حقيقتها واحدة. فالطوفان قد يكون حرباً، أو وباءً، أو انهياراً أخلاقياً، أو خراباً حضارياً.

ولعل أكثر المقاطع كثافةً في هذا السياق قوله:

(ها هو المحو في دورة الطين

قبل انبثاق الشروق)

إن المحو هنا ليس فناءً نهائياً بل مرحلة ضرورية تسبق الخلق. فالشروق لا يولد إلا بعد المحو، والطين لا يستعيد خصوبته إلا بعد أن تغسله المياه. وهنا يلتقي الرمز الأسطوري بالفلسفة الوجودية، إذ يصبح الهدم شرطاً للبناء، والعدم بوابةً للوجود.

تكشف القراءة الأسطورية أن عبد المنعم حمندي لم يستعمل الأسطورة استعمالا زخرفياً بل جعلها الهيكل العميق للقصيدة. فـإنليل ونوح ويافث والغراب والطين والطوفان ليست أسماءً أو أحداثاً، بل منظومة رمزية متكاملة تتداخل فيها الأسطورة بالدين، والذاكرة بالتاريخ، والواقع بالرؤيا.

وبذلك يرتقي النص من مستوى الحكاية إلى مستوى الأسطورة الجديدة؛ حيث لا يعود الطوفان حدثاً وقع وانتهى، وإنما يصبح استعارة كبرى لتجدد العالم كلما أثقلته خطاياه، ويغدو سؤال النصيص: (يا يافث أين المفر؟) سؤالاً موجهاً إلى الإنسان المعاصر، الذي يقف هو الآخر على حافة طوفان جديد، وإن اختلفت مياهه واختلفت سفنه.

 

 

النص الأصلي

 الطُّوفَانُ.. يَا يَافِثُ أَيْنَ الْمَفَرّْ؟

.....

 السَّمَاءُ الَّتِي أَبْصَرَتْهُ فَنَاءً

يَذُوبُ بِمَا أَظْهَرَتْهُ

سَرَاباً يَحُومُ عَلَى لَوْحِ مَاءْ

غَاضِباً.. كَانَ "إِنْلِيلُ"

مِنْ "يَافِثَ" الْمُزْدَهِي بِالضِّيَاءْ

وَحَزِيناً عَلَى قَوْمِهِ

بَعْدَ أَنْ فُجِعَتْ أَرْضُهُمْ بِالْوَبَاءْ

فَاسْتَشَارَ الْغُرَابَ إِذَا مَا بَنَى سُفُناً

مِنْ مَكَائِدِ هَذَا الْفَضَاءْ

كُلُّ شَيْءٍ هَبَاءْ

تَرْكُضُ الشَّمْسُ فِي جُبَّةٍ مِنْ دِمَاءْ

......

لَيْسَ هَذَا الْعَدَمْ

فِيهِ مِرْآةُ هَمّْ

يَمْضَغُ الْوَجْدُ أَسْرَارَهَا

قَبْلَ أَنْ يَرْتَدِي الْحَرْفُ صَمْتَ النَّدَمْ

يَمْخَضُ الرُّوحَ، وَالسِّرُّ طُوفَانُ نُوحْ

يَمْحَقُ الظُّلُمَاتْ

وَ"يَافِثُ" فِي الْمُدْلَهِمَّاتِ عَبْرَ الْعُصُورْ

بَيْنَ عَصْرٍ يَجِيءُ وَعَصْرٍ يَرُوحْ

بَيْنَ لَيْلٍ وَلَيْلٍ، وَمَا بَيْنَ نَفْيٍ وَإِثْبَاتْ

تَلْهَثُ كُلُّ الْجِبَالِ وَرَاءِ السُّفُوحْ

كَانَتِ الْأَرْضُ دَائِرَةً خَلْفَهُ،

وَالْعَتَمَاتُ الشُّرُوحْ

كَانَ لَيْلُ الْإِشَارَةِ تَبْرِئَةً لِلْيَقِينْ

وَمَرَارَاتُنَا خَمْرَةٌ

يُولَدُ الْحُبُّ فِي قَبْضَةِ الْوَجْدِ

وَالْمَحْوُ فِيهِ جَنِينْ!

......

 مِنْ هُنَا ..

مِنْ هُنَاكَ الْبِلَادْ

تَتَنَفَّسُ فِي رِئَتَيْنِ عَلَى غَابَةٍ مِنْ رَمَادْ

لِيَعُودَ الصَّفَاءُ لِأَرْضِ السَّوَادْ

كَمَاءِ التَّجَلِّي يَسِيلُ حِدَاداً بِلَوْنِ الْحِدَادْ

نَسِيَ اللَّيْلُ أَقْمَارَهُ فِي الْهَزِيعِ الْأَخِيرْ

كُلُّ مَا نَسَجَتْهُ الرِّيَاحُ لِكَيْ يُزْهِرَ الْحُلْمُ

يَمْسَحَ الذُّلَّ عَنْ شَجَرٍ سَارِحٍ فِي صحارى الضَّمِيرْ

أَيُّ حُلْمٍ تَلَاشَى لَهُ الشَّمْسُ مَطْفَأَةٌ

وَالْكَوَاكِبُ لَا تَسْتَدِيرْ

فِي مَهَبِّ الذُّهُولِ الْمَرِيرْ؟!

 هَاهُوَ الْمَحْوُ فِي دَوْرَةِ الطِّينِ

قَبْلَ انْبِثَاقِ الشَّرُوقْ

جَسَدٌ كَبَّلَتْهُ الْعُرُوقْ

مُذْ فُطِمْنَا عَلَى الْحُزْنِ،

وَالْأَرْضُ قُرْبَانَةٌ لِلْفِدَاءْ

قَدْ تُسَافِرُ نَحْوَ الْفَنَاءْ

فَالْمَنَايَا هَنَاءْ

......


مشاهدات 54
الكاتب رياض عبد الواحد
أضيف 2026/07/01 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 5:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 289 الشهر 1352 الكلي 15906479
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير