الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ناطق عزيز يطوّع السطح التصويري.. تحولات الرمز وإمتداد الحداثة في لوحات معاصرة

بواسطة azzaman

ناطق عزيز يطوّع السطح التصويري.. تحولات الرمز وإمتداد الحداثة في لوحات معاصرة

بغداد - علي إبراهـيم الدليمي

يزاوج الفنان ناطق عزيز في أعماله بين الموروث الشعبي والنزعة الحداثية، محولاً الذاكرة المحلية إلى لغة بصرية عالمية، تبرز في مجمل أعماله قدرة فذة على تطويع السطح التصويري ليكون مسرحاً للحوار بين «الكتلة» و»الرمز».

ويعتمد عزيز في بناء لوحته على التكوين التراكمي، فهو لا يكتفي بمنظور واحد، بل يدمج عدة مستويات بصرية في فضاء واحد.. نلاحظ لديه شغفاً بـ « معمارية البيت» أو «المكان» كمركز ثقل درامي، حيث تتداخل الزوايا والخطوط المتقاطعة لتعبر عن تعقيد الذاكرة العراقية. كما يعتمد على تعدد المستويات، حيث ينتقل بمرونة من التجريد اللوني في الخلفيات إلى التشخيص الدقيق في تفاصيل العناصر (مثل الشبابيك، القوارب، الوجوه). كل هذا وفق المنظور الشعبي، إذ يبتعد أحياناً عن المنظور الهندسي التقليدي لصالح المنظور العاطفي، حيث يكبر حجم الرمز أو العنصر بناءً على قيمته المعنوية في وجدانه.

وتتميز لوحة ناطق عزيز بالجرأة اللونية المحكومة بوعي أكاديمي رصين، فهو يستخدم الألوان الحارة (الأحمر، البرتقالي، الأصفر) ليس كزينة، بل كقوة تعبيرية تشير إلى شمس العراق وصخبه، بينما توفر الألوان الباردة (الأزرق، ومشتقاته) كمساحة للتأمل والهدوء.

فالهارموني والتضاد اللوني، ينجح في خلق توازن بين المساحات اللونية الصريحة وبين الضربات العشوائية المدروسة التي تمنح اللوحة ملمساً غنياً، مما يجعل السطح يبدو حياً ونابضاً بالحركة. يستلهم عزيز مفرداته من البيئة العراقية الخالصة، لكنه يعيد إنتاجها برؤية حداثية: كالعمارة التقليدية، الأقواس، القباب، والشناشيل تظهر كبنى رمزية للهوية والأمان.وحضور الكائنات الحية، «الديك» أو «الحمام» أو «الأسماك» وهي تحمل دلالات رمزية مرتبطة بالخصب، الاستبشار، أو حتى القلق الوجودي.. فضلاً عن ظهور العنصر الإنساني كالمرأة والطفل، وهما محاطان بهالة من الحماية المكانية، وغالباً ما تكون الملامح غارقة في صمت نبيل يعبر عن الصمود والارتباط بالأرض.

يقف ناطق عزيز في منطقة وسطى مبدعة بين التشخيصية التعبيرية والتجريد الزخرفي.. في بعض أعماله، تتحول العناصر إلى وحدات هندسية تشبه السجاد العراقي أو الوشم الشعبي، وفي أخرى، يمنح الفرشاة حرية الانطلاق لتشكيل ملامح وجوه أو مناظر طبيعية (الأنهار والنخيل) بأسلوب انطباعي حديث.

خطوط سوداء

وتلعب الخطوط السوداء الرفيعة والمتقاطعة دور «الناظم» لإيقاع اللوحة، فهي التي تحدد المساحات وتمنح العمل هيكلاً معمارياً قوياً.

اللوحة عند  عزيز ليست مجرد «منظر»، بل هي حكاية بصرية.. ثمة مسحة من الحنين تغلف أعماله، وكأن الفن لديه هو محاولة لاستعادة زمن أو مكان في طور التحول. هذا البعد الدرامي هو ما يمنح أعماله قبولاً واسعاً، كونه يمس الوجدان الجمعي مع الحفاظ على خصوصية التجربة الفردية.

إن مجمل تجربته تمثل وحدة عضوية تجمع بين تقنيات الفن الحديث وروح الفن الشعبي. هو معماري يبني لوحته من ركام الذاكرة، وشاعر يلونها بفيض من العاطفة الصادقة. تكمن قوته في قدرته على الحفاظ على «عراقية» اللوحة دون الانغلاق في الإقليمية، محققاً توازناً صعباً بين الشكل والمضمون. كما يستخدم عزيز تقنية «الطبقات المتعددة»، حيث لا يأتي اللون كبقعة مسطحة، بل كبناء تراكمي يمنح اللوحة عمقاً ملموساً. هذا الثراء في الملمس يخدم فكرة «الزمن» في لوحاته؛ فالأسطح تبدو وكأنها جدران عتيقة تحمل آثار السنين، مما يعزز البعد النفسي للمكان، فهو توظيف رمزي للمفردات البيئية.. مثلما يوظف القارب لا يظهر كمجرد وسيلة نقل، بل كرمز للرحيل، الانتظار، أو النجاة، وغالباً ما يستقر في تكوينات توحي بالسكون والسكينة. الشبابيك والأبواب مفردتان تمثلان «البرزخ» بين الداخل والخارج، وهي تقنية يستخدمها لتسليط الضوء على مفهوم الخصوصية والاحتواء في البيت العراقي.

وتجريد العناصر الطبيعية، حيث تتحول النخلة أو الشمس لديه إلى وحدات هندسية وشبه زخرفية، مما يقرب العمل من روح الفنون الفطرية ولكن بأدوات أكاديمية محترفة.

هناك حضور قوي لـ «الخط» كعنصر هيكلي. الخطوط عند ناطق عزيز ليست مجرد حدود للأشكال، بل هي خيوط تنسج شبكة العلاقات داخل اللوحة. أحياناً تكون هذه الخطوط حادة لتعبر عن تقاطع المباني والأسلاك في الأحياء الشعبية، وأحياناً تكون انسيابية تتماهى مع حركة الوجوه والأجساد.

الوجوه في أعماله تميل إلى التلخيص التعبيري.. فهي لا تحاكي الواقع بتفاصيله التشريحية، بل تركز على «الحالة»... العيون غالباً ما تكون واسعة ومحدقة، تذكرنا بوجوه الفن السومري أو الأيقونات القديمة، مما يمنح الشخوص هيبة تاريخية تتجاوز اللحظة الراهنة.

إن تجربة عزيز هي محاولة ناجحة لـ «عصرنة الموروث». هو لا ينقل التراث كما هو، بل يعيد صياغته من خلال مرشح الحداثة، مستخدماً اللون والخط لتقديم رؤية بصرية تحتفي بالهوية العراقية وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً للتأويل الجمالي المعاصر.

 


مشاهدات 65
أضيف 2026/07/01 - 4:46 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 4:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 290 الشهر 1353 الكلي 15906480
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير