موهبة الحجار تنطلق مع سنوات الدراسة الأولى
مبدع يجمع بين الكاريكاتير والقصص المصوّرة والرسم التعليمي
بغداد - جواد الرميثي
في مسيرة الفن التشكيلي، تبرز أسماء تركت بصماتها في ذاكرة الناس، ليس عبر اللوحة التشكيلية وحدها، وإنما من خلال الصحافة والكتاب والطفولة والتعليم. ومن بين هذه الأسماء يأتي الفنان ضياء الحجار، الذي استطاع بريشته أن يصنع عالماً متكاملاً من الصورة والحكاية ، وأن يصبح واحداً من أبرز رسامي الكارتون والقصص المصورة وأدب الطفولة في العراق والوطن العربي.
ولد الحجار في بغداد عام 1952، وارتبط اسمه منذ بداياته بعالم الرسم والكاريكاتير، حتى غدت أعماله جزءاً من الذاكرة البصرية لأجيال متعاقبة من العراقيين. وتميزت رسومه بالدقة والواقعية وكثرة التفاصيل، فضلاً عن قدرتها على التقاط الحياة اليومية وتحويلها إلى صورة نابضة بالحركة والتعبير.
بدأت موهبة الحجار الفنية بالظهور في سنوات الدراسة الابتدائية في محافظة كربلاء، وكان لمعلمه عبد الرحمن نايف الجبوري فضل كبير في اكتشافها وتشجيعها. فقد لفتت رسومات الطفل ضياء انتباه معلمه، الذي أُعجب بموهبته، كما أسهم الأستاذ عزي الوهاب في تشجيعه والتعريف بموهبته، وكتبا عنه بوصفه طفلاً يمتلك موهبة استثنائية في الرسم.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت ملامح الفنان الذي سيصبح لاحقاً واحداً من الأسماء المهمة في فن الكاريكاتير والقصص المصورة تتشكل مبكراً.
وفي عام 1977 تخرج الحجار من أكاديمية الفنون الجميلة، حيث درس فن الرسم على أيدي نخبة من كبار الفنانين والأساتذة العراقيين، من بينهم فائق حسن، إسماعيل الشيخلي، حافظ الدروبي وغيرهم .وكان اعتزازه بأساتذته كبيراً، فخلّدهم في لوحة كبيرة جسدتهم جميعاً، ظلت شاخصة عند بوابة الأكاديمية، في تعبير عن وفاء الفنان لتجربته الأكاديمية وللرواد الذين أسهموا في تشكيل وعيه الفني.
ولم يتوقف طموحه عند الدراسة الأكاديمية، إذ واصل تحصيله العلمي ونال درجة الماجستير في الفنون، وكان من أوائل من تناولوا فن الكاريكاتير العراقي في دراسة جامعية، من خلال أطروحته للماجستير، في خطوة مهمة أسهمت في منح هذا الفن مساحة أكاديمية وبحثية تستحقها.
فكرة واضحة
وكانت بدايات الحجار في عالم الكاريكاتير من خلال مجلتي الفكاهة والمتفرج الساخرَتين، حيث قدم رسومات متنوعة تناولت القضايا السياسية والاجتماعية، وتميزت أعماله بأسلوب خاص يجمع بين الفكرة الواضحة والبناء الفني واللمسة الساخرة. ولم يكن كاريكاتيره مجرد وسيلة للضحك، بل اتخذ من السخرية أداة للنقد الهادف، متناولاً قضايا المجتمع والواقع اليومي، ومعبراً عن رؤيته لأهمية بناء مجتمع أكثر وعياً وديمقراطية.
وبهذا الأسلوب، واصل الحجار مسيرة رسامي الكاريكاتير العراقيين الذين سبقوه، ليكون امتداداً طبيعياً لجيل الرواد والمؤسسين، وفي مقدمتهم نوري ثابت (حبزبوز)، عبد الجبار محمود، سعاد سليم، غازي، حميد المحل، فائق حسن، عطا صبري وغيرهم من الأسماء التي أسهمت في ترسيخ مكانة الكاريكاتير والفن العراقي.
ولم يحصر ضياء الحجار تجربته في الكاريكاتير الصحفي، بل كان رساماً شاملاً تنوعت أدواته ومجالات اشتغاله بين القصص المصورة «الكوميكس»، والرسوم التوضيحية، والبورتريه الساخر، والكاريكاتير الإيجازي، والرسم التعليمي والتربوي. وكانت لديه قدرة مميزة على تحويل النصوص القصصية، مهما كانت معقدة، إلى سيناريوهات مرئية سهلة وجذابة، يستطيع الطفل من خلالها متابعة الأحداث وفهم الشخصيات وتسلسل الحكاية.
ومن الأعمال التي ارتبطت بتجربته في القصص المصورة: «ألف ليلة وليلة»، و«سر الآثار الغريبة»، و«الخليفة والبائع»، و«قبيلة بني شراسة»، وغيرها من الأعمال التي أسهمت في ترسيخ حضور الصورة في أدب الطفل العراقي.
ويشكل اسم ضياء الحجار محطة مهمة في تاريخ صحافة الطفل العراقية، فقد كان من المؤسسين والصنّاع الأساسيين لمجلتي «مجلتي» و«المزمار»، وهما من أشهر إصدارات الأطفال في العراق. ومن خلال هاتين المجلتين، دخلت رسوماته إلى بيوت العراقيين ومدارسهم، وتعرفت أجيال من الأطفال إلى عالم القصة المصورة والشخصيات الكرتونية من خلال ريشته. ولم تكن رسوم الحجار مجرد صور مرافقة للنصوص، بل كانت عنصراً أساسياً في عملية السرد، إذ استطاع أن يجعل الصورة تتحدث، وتكمل الحكاية، وتساعد الطفل على بناء مخيلته وفهمه للنص.
وامتدت تجربة الحجار كذلك إلى مجال الرسم التعليمي والتربوي، إذ أسهم في وضع الرسوم التوضيحية والتعليمية للعديد من المناهج المدرسية العراقية، بهدف تسهيل عملية التعلم وتقريب المعلومة إلى الطالب من خلال الصورة. وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص تجربته، فهو الفنان الذي لم يتعامل مع الرسم بوصفه فناً جمالياً فحسب، وإنما أدرك مبكراً قدرة الصورة على التعليم والتثقيف والتأثير في الطفل.
وقد تُوج هذا الجانب من تجربته بحصوله على جائزة أفضل فنان للرسم التعليمي والتربوي للأطفال في مهرجان أقيم في إيطاليا ، تقديراً لما قدمه في هذا المجال .
ولم تقتصر مشاركات ضياء الحجار على الساحة العراقية ، فقد شارك في المعارض التي أقيمت داخل العراق وخارجه ، وحضر في عدد من الدول والعواصم العربية ، وفي مقدمتها القاهرة.كما حصل عام 2001 على الجائزة الأولى عن أعماله المعروضة في مركز بولونيا في وارسو ، العاصمة البولندية ، وهو إنجاز يؤكد الحضور الذي حققته تجربته خارج العراق .وقد شكلت هذه المشاركات فرصة للتعريف بخصوصية المدرسة العراقية في الكاريكاتير والقصص المصورة ، وبالقدرات الفنية التي يمتلكها رسامو العراق .
قصص الاطفال
وتميزت تجربة ضياء الحجار بقدرتها على الجمع بين الفن والرسالة . ففي الكاريكاتير كان ناقداً للواقع ، وفي قصص الأطفال كان راوياً بصرياً ، وفي الكتب المدرسية كان معلماً ، وفي الرسوم التوضيحية كان شريكاً للنص .
وهذه التعددية هي التي جعلت تجربته مختلفة ؛ إذ لم يكن أسيراً لقالب فني واحد ، بل انتقل بين الصحافة والكتاب والطفولة والتعليم ، محتفظاً في كل تجربة بملامح أسلوبه وشخصيته الفنية .
وتقديراً لعطائه ومسيرته الطويلة ، كُرّم الفنان ضياء الحجار في بغداد من قبل دار ثقافة الأطفال والمنتدى الثقافي للطفل ، اعترافاً بما قدمه للحركة الفنية ولثقافة الطفل في العراق .
ويبقى الحجار واحداً من الفنانين الذين أسهموا في صناعة الذاكرة البصرية العراقية ، فكم من طفل عراقي عرف الحكاية من خلال رسوماته ، وكم من قارئ للصحف والمجلات توقف أمام كاريكاتيره ، وكم من طالب وجد في الرسم وسيلة لفهم المعلومة وتثبيتها في ذاكرته .
إن تجربة ضياء الحجار ليست مجرد تجربة رسام كاريكاتير ، بل هي مسيرة فنان عراقي حمل الريشة إلى الصحيفة والكتاب والمدرسة ومجلة الطفل ، وجعل من الصورة لغة قادرة على النقد والحكاية والتعليم .