الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المواطنة وغياب المشروع الثقافي الفكري الوطني

بواسطة azzaman

المواطنة وغياب المشروع الثقافي الفكري الوطني

امير علي الحسون

 

لم يكن انتقال العراق من سنوات الخوف والموت والترهيب في عهد النظام السابق إلى مرحلة ما بعد 2003 انتقالاً من الظلام إلى الحرية بالمعنى الكامل؛ فقد تحرر العراقي من قبضة الاستبداد، لكنه دخل فضاءً مفتوحاً من الحرية اختلطت فيه الديمقراطية بالفوضى، وتداخلت فيه القومية بالدين والمذهب والعشيرة والحزب والرمز الشخصي، حتى أصبح عنوان الوطن في كثير من الأحيان أضعف من عناوين الانتماءات الفرعية.

لقد ساهم المشروع الأميركي الذي رافق تغيير النظام، إلى جانب أدوار قوى إقليمية ودول محيطة بالعراق، في خلق بيئة سياسية وفكرية وأمنية معقدة، فيما استفادت قوى أخرى، ومنها الكيان الصهيوني، من حالة التشظي العراقي والإقليمي. لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما وصل إليه العراق لا يعفي الداخل من مسؤوليته؛ فالمشاريع الخارجية لا تجد طريقها إلى المجتمع إلا عندما يكون البيت الداخلي ضعيفاً، وعندما يغيب المشروع الوطني القادر على حماية الدولة والمجتمع.

مشروع فكري

وهنا تبدأ واحدة من أخطر جدليات سنوات الفشل: غياب المشروع الفكري والثقافي الوطني بعد 2003. كان يفترض أن تكون الثقافة في مقدمة المؤسسات التي تقود معركة إعادة بناء الإنسان العراقي، وأن تقدم خطاباً يضع المواطنة فوق الطائفة والقومية والعشيرة والحزب، ويعيد ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحروب والاستبداد ثم الصراعات السياسية والمذهبية. لكن هذا المشروع لم يولد بالصورة التي كان العراق يحتاج إليها، فترك الفراغ مفتوحاً أمام أفكار متطرفة ومشاريع متصارعة على الهوية والسلطة والنفوذ.

وفي الجانب الآخر، ظهر إعلامان متناقضان: إعلام يحاول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إعادة تبييض صفحة النظام السابق والتخفيف من بشاعة جرائمه، وإعلام آخر انخرط في تمجيد رموز سياسية وحزبية متصارعة، حتى أصبح بعض الخطاب الإعلامي جزءاً من معركة النفوذ بدلاً من أن يكون صوتاً للدولة والمجتمع والحقيقة.

ثم جاءت المحاصصة لتعمق الأزمة، فتحولت مؤسسات الدولة في حالات كثيرة إلى ساحات نفوذ، وأصبح المال العام عرضة لشبكات المصالح، وتراجعت الكفاءة أمام الولاء، فيما غاب صوت العقلاء الوطنيين المستقلين وسط صخب القوى المتصارعة.

ومن هنا يمكن قراءة الجدل الذي أثارته تصريحات وزيرة الثقافة المؤقتة سروة عبد الواحد. فالضجة التي رافقت تصريحاتها لا ينبغي اختزالها في شخص الوزيرة، بل يجب أن تكون مناسبة لفتح الملفات التي ظل كثير منها مغلقاً:

ماذا أنجزت وزارة الثقافة خلال سنوات ما بعد 2003؟ وأين المشروع الفكري الوطني؟ وما الذي قدمته المؤسسات والنقابات الثقافية والفنية للمثقف والفنان العراقي؟ وهل تحولت بعض هذه المؤسسات، بفعل ضعف الرقابة وتراكم المصالح، من أدوات لخدمة الثقافة إلى بيئات مغلقة تحمي النفوذ وتعيد إنتاجه؟

هذه أسئلة مشروعة، ولا تعني إدانة أحد مسبقاً. فإذا كانت هناك مخالفات أو شبهات فساد أو استغلال للمال العام، فإن مكانها التحقيق والتدقيق والقضاء، أما الدفاع عن المؤسسات فلا يكون بإغلاق أبواب النقد، كما أن الإصلاح لا يكون بتصفية الحسابات الشخصية.

وربما لم تستطع الوزيرة، بحكم موقعها المؤقت وطبيعة التوازنات السياسية، أن تفتح كل ما في داخل هذا الملف من أسئلة وأسباب. لكن السؤال أكبر من وزيرة وأكبر من وزارة: لماذا لم ينتج العراق منذ 2003 مشروعاً فكرياً وطنياً قادراً على مواجهة الأفكار التي مزقت مجتمعه؟

العراقي في جوهره ليس شعباً متطرفاً ولا منقسماً بطبيعته. إنه شعب ودود، كريم، محب للحياة، وثائر على الظلم. ويمكن أن ترى ذلك بوضوح في ملاعب كرة القدم؛ فعندما يلعب المنتخب العراقي تسقط للحظات كل العناوين الفرعية، فلا يبقى كردي أو عربي أو شيعي أو سني أو عشائري أو حزبي، بل يبقى عراقي يهتف للعراق. هذه الصورة وحدها تكشف أن الانقسام ليس قدراً اجتماعياً، وإنما هو في جانب كبير منه نتيجة خطاب سياسي وثقافي تم إنتاجه واستثماره.

مشروع فكري

ولهذا فإن أي مشروع فكري وطني حقيقي سيواجه مقاومة من المستفيدين من الواقع القائم؛ لأن إعادة الاعتبار للثقافة والمثقف والفنان تعني سحب جزء من النفوذ من أولئك الذين اعتادوا التعامل مع المؤسسات الثقافية والنقابية بوصفها مساحات للمصالح الشخصية أو الحزبية أو المالية.

العراق لا يحتاج اليوم إلى وزارة ثقافة تدير المناسبات فقط، ولا إلى نقابات تعيش على أمجاد الماضي، ولا إلى مؤسسات تتنافس على النفوذ. العراق يحتاج إلى مشروع ثقافي وطني يعيد للمثقف والفنان مكانته، ويصنع خطاباً عراقياً قادراً على مواجهة التطرف والانقسام، ويقدم صورة العراق الحقيقية داخل البلد وخارجه.

قد تكون سروة عبد الواحد وزيرة مؤقتة، لكن الجدل الذي أثارته بكشف جوهر الخلل ارعب الكثير خوفا ان يعيد فتح ملف مؤجل منذ سنوات: ملف الثقافة التي غابت عن معركة بناء الدولة، والفكر الذي ترك الساحة للانقسام، والمؤسسات التي تحتاج إلى مراجعة حقيقية.

فالخروج من استبداد الماضي لا يكتمل بمجرد امتلاك حرية الكلام؛ الحرية من دون مشروع وطني قد تتحول إلى فوضى، والديمقراطية من دون ثقافة مواطنة قد تتحول إلى محاصصة، والدولة من دون وعي وطني تصبح مجرد هياكل تتصارع داخلها القوى.

لقد آن الأوان أن نستعيد العراق من الذين جعلوا الطائفة بديلاً عن الوطن، والحزب بديلاً عن الدولة، والرمز بديلاً عن المؤسسة، والمال بديلاً عن الثقافة.

العراق بحاجة إلى مشروع يعيد تعريف العراقي بالعراق أولاً، ويجعل الثقافة إحدى أدوات إنقاذ الدولة لا إحدى ساحات الصراع عليها.


مشاهدات 30
الكاتب امير علي الحسون
أضيف 2026/09/12 - 12:35 AM
آخر تحديث 2026/09/12 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 18919 الكلي 16551439
الوقت الآن
السبت 2026/9/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير