الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لفائف بيضاء لدموع متحجّرة

بواسطة azzaman

نقطة ضوء

لفائف بيضاء لدموع متحجّرة

محمد صاحب سلطان

 

في زمن صار الموت فيه يمشي مع الهواء، تتوقف أحاسيس الكاتب والمتابع لما يجري أمام منعطفات لا يستطيع الخلاص من تأثيرها، سوى بالتعبير عنها ولو بقليل من التفاعل وبما تتيح له أدواته المعرفية ،من حرية في السرد والوصف والبكاء غير المسموع، عبر كلمات يسطرها في موقع أو صفحة شخصية أو صحيفة، من دون رقيب سوى الضمير، عله يرمم جزءاً من جراحات الضحايا، أو يستنطق الإنسانية الغافلة عن الجرائم التي ترتكب على أيدي أساطين الإجرام الصهيوني، وبعض تلك الكتابات، ولاسيما عند الصحفيين الذين يطرقون بوابات السرد القصصي للتعبير عن لقطات، شاهدتها عيونهم أو سمعتها آذانهم عن حكايات تضمنت أهوال المأساة التي راح ضحيتها مئات الآلاف، ولم يسلم منها حتى الرضيع والجنين في بطن أمه، تلك الكتابات سرعان ما تتحول إلى وثائق إدانة، وشاهدة على زمن تحدى الطغيان، وزمن تمزقت فيه جدائل الحقيقة، وتقطعت فيه سبل النجاة، فكانت خير من يعبر عن أنين الأصوات التي أريد لها أن تسكت بل تخرس إلى الأبد، لكن صوت الحقيقة إحتفظ بنقائه وسرعة إستجابته، في إفشال مخططات من أرادوا للشمس أن تنطفيئ وهم يستخدمون ويجندون المئات من فاقدي الضمير والحس الإنساني ممن يتحكمون بالعوالم المفترضة للإعلام الجديد، وعلى عكسه يقف أصحاب الأقلام الحرة والضمائر الحية في صف الحق وإلى جانب الضحايا، وهم كثيرون لا يتسع المجال لذكر شخوصهم النبيلة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أتذكر عام 2024 وتحت عنوان ما أشرت، بعثت رسالة لزميلتي الكاتبة المبدعة والصحفية الرائدة (نرمين المفتي) التي أصدرت آنذاك مجموعة قصصية على شكل يوميات لوقائع حدثت في السنة الأولى للعدوان الصهيوني على غزة ولبنان، تضمنت بعضاً من نثار القلب المتشظي عما جرى، قلت لها ما نصه: أمضيت سويعات من الدهشة والوحشة والغضب حد الإنفجار ضد محبي إيغال السكين في الجرح النازف، وأنا أطالع مجموعتك القصصية (محاولات المعمداني -وشاح سالومي) بقصصها ال 26 والتي بدأتيها بـ(لفائف بيضاء) وأنهيتيها بدمعة متحجرة، والتي عززت من قناعتي من إن الكاتب الحقيقي تفضحه كلماته متى قيد لغته، لذا يتركها لقلمه من دون يده! ، وذكرتني بما قاله (محمد شكري) في روايته (زمن الأخطاء)، لا يقهر الموت إلا حب الحياة،  وأردفت: المجموعة برغم ألمها وصدقية وقائعها وصور أحداثها، تدفعني للقول من دون مجاملة بإنها (وثيقة قصصية) معبرة عن حدث عرى العالم من إنسانيته المزيفة، جراء وقوفه متفرجاً أمام هول الفاجعة لما حدث ويحدث في غزة ولبنان، فحسك الصحفي غلب على صفتك الأدبية في إلتقاط الصورة المجسدة، وأنت تحفرين في نتوءات ذاكرة الأطفال والنساء الثكالى والضحايا الذين يمثلون الحقيقة الوحيدة التي تعرف ما حدث، وأنت بنباهة الوجع الذي تملكينه، جعلتيها تتكلم، وخير دليل، فطنة الإهداء الذي يلي عنوان كل قصة مع ذكر الإسم والواقعة والتاريخ.

بيد إن هذا الإنموذج الذي ذكرته يؤكد على إن في زمن الحرب كان هناك دائما من يرى برغم ضجيجها ودخان سعيرها، يرى الحقيقة ولو من كوة محصورة، وهذه دعوة أوجهها للزملاء الصحفيين والكتاب بضرورة توثيق الوقائع اليومية للأحداث المعاشة قبل أن تتبخر تدريجياً من الذاكرة المتعبة، فتخسر الأجيال القادمة، حقيقة ما جرى على لسان شهود عيان، إن أحسنوا التعامل، لقوا الثناء والتقدير، وإن أخفقوا أحرقتهم ملامة الأحفاد!، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تراكم الخبرة التي تعزز عين الصحفي الثاقبة، وبجرأة المحارب المقتحم وخبرة المؤرخ الواثق من أدواته، فتحية لمن جاور الحقيقة ونام بظلها ونطق بصوتها.. والسلام


مشاهدات 97
الكاتب محمد صاحب سلطان
أضيف 2026/09/12 - 1:06 AM
آخر تحديث 2026/09/12 - 2:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 18970 الكلي 16551490
الوقت الآن
السبت 2026/9/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير