تداخل الاجناس الأدبية في رواية (فهرس) للروائي العراقي (سنان أنطون)
حيدر علي الاسدي
( ناقد واكاديمي عراقي)
برزت التداخلات المفاهيمية في الحياة المعاصرة وشاعت هذه التداخلات على مستوى كل التفاصيل اليومية ومنها تظهر ذاكرة الفرد إزاء امكنته وتاريخه مما افضى الى نتيجة حتمية اصبح خلالها وجود جنس أدبي نقي من ضروب الخيال فالنصوص الإبداعية الجديدة تقوم على امتصاص متبنياتها الشكلية من روافد أخرى سواء اكان ذلك بشكل صريح او مضمر، وقد تنوعت اجتراحات النقاد ومرجعيات الاجناس بالنسبة لهم من حقبة لأخرى بوصف الاجناس متغيرات حدثت في نظرية الادب منذ ان عرف الانسان فنون التعبير الاولى وحتى عصر انفتاح النص الادبي وتداخل الاجناس وتنافذها فيما بينها وصولاً الى مرحلة تخلي النص عن هويته الاجناسية فـ " النص بطبيعته ليس بحاجة الى هوية جنسية" كما يرى ذلك ايف ستالوني في كتابه المهم (الاجناس الأدبية) كما ان الماركسيين الجدد كجيمسون وديفيد هارفي يرون ان ما بعد الحداثة هي "رأسمالية راديكالية متشعبة ومتداخلة ومهيمنة ومتحركة تتلاشى وفقها الاجناس وتضيع" وهو ما يفضي الى منطق ساد النظرية المعاصرة وهو استيعاب التنوع والآراء المختلفة وبالتالي قابلية النظرية الأدبية المعاصرة على ضم تلك الآراء المتنوعة التي تمثل التوجهات المختلفة في عصر التعقيد الراهن. كما ان كروتشه يرى ان التقسيمات والتصنيفات من العبث الفكري الزائد الذي لا طائل منه ، لان كل عملية ابداعية تحتم على الناقد وضع مقاييس جديدة من نمطية وقالبية الجنس تتلاءم والنصوص الجديدة وانفتاحها (ضمن اتساق انفتاح الحياة المعاصرة وتداخلاتها) وبالتالي يكون من العبث الثبات على قولبة محددة للأجناس الادبية وبهذا فهو يفتح الباب على مصراعيه على قوانين اجناسية لكل نص ابداعي، كما ان كروتشه قد اعلن عن "موت الاجناس وميلاد ما سماه هنري ميشو الاثر الكلي الذي يحتوي الاجناس جميعها ويختزلها لكي يتجاوزها ويتعالى عليها" وعد الجنس الادبي متمردًا على الحدود الفاصلة المفروضة داعيًا الى التداخل ورافضًا للتصنيفات، وهو ما يتناسب تمامًا مع مفهوم التعالي النصي الذي ذهب اليه جيرار جينيت وهو النص الجامع لكل الاجناس الادبية في بوتقة النص الابداعي الواحد الجامع، فالإبداع والجمالية تتأتى من خلال قيمة النص في ما بعد الحداثة لذلك تتجاوز الحدود الاجناسية ، ومن النقاد الامريكان الذين اهتموا بنظرية الادب ونظرية الاجناس الادبية بالتحديد هو (رينيه ويليك) فهو يرى ان بخصوص نظرية الأجناس الأدبية والتداخل فيما بينها، ونتيجة بحثه المتواصل انه لم تعد تحتل هذه النظرية مكان الصدارة ولم يعد هذا التمايز مهمًا بسبب الخلط والمزج بين الاجناس في محاول لتقديم انواع جديدة مما يتفق مع فكرة كروتشه في التعابر والاندماج ورفض الحدود والقيود كما ان الاجناس الادبية في نمو واطراد مستمر، ولعل ابرز صرخة في مسالة تحطيم الاجناس واشهرها جاءت من الفرنسي سيبستيان مرسيه ، فنتيجة التشدد بحدود الاجناس جاءت الرؤية لكسر الحدود الاجناسية من مرسيه والذي اعلنها صراحة عبر صرخته الشهير (تساقطي تساقطي ايتها الجدران الفاصلة بين الأنواع) اما صاحب نظرية التفكيك الفيلسوف الفرنسي من اصل جزائري جاك دريدا فقد سخر من قانون الاجناس الذي يطالب بعدم اختلاط الاجناس والانواع. قدمتُ هذه المعطى التنظيري المفاهيمي قبل الدخول لتحليل رواية (فهرس) للروائي العراقي (سنان أنطون) والتي تعد الجانب التطبيقي لما تقدم فهي النموذج الواضح لكسر الحدود الاجناسية وتداخل الاجناس عبر استدعاء عدة روافد واجناس أدبية وتوظيفها في متن هذه السردية ، فالرواية على حد تعبير (بير شارتيه) فيما أورده ضمن كتابه (مدخل الى نظرية الرواية) امبريالية بطبعها تستعمر وتضم المناطق المجاورة دون خجل انها تستعير ثيمات وطرائق الفنون الاخرى وبما ان الرواية تعد كناية تعتمد على الواقع بمعطياتها وهو الأمر الذي يفرض بهذا اعادة صياغة نثرية الواقع المعاش بكافة تمفصلاته وتحويله الى صور جمالية سردية ، مصاغة بجسد الرواية لتمنح بهذا شكلاً مغايراً للواقع المعاش راسمة خلاله جمالية بلاغية من نوع خاص ، فالرواية المعاصرة وهذا ما تمثل في (فهرس) تنزع عنها كل السبل التقليدية في البناء والصيغ المعتادة لتجترح لنفسها متنا لغويا جماليا ينزع نحو التجريب والتجديد، ولابد من الإشارة الى ان سنان أنطون هو متعدد الابداع يكتب الشعر والسرد والمقالة ويترجم ايضًا وهو ما منحه هذه الرؤية الشمولية في الابداع، وسأبتدأ من الاخير حيث اشارة الروائي سنان انطون الى ان هذه الرواية تتضمن اقتباسات من فالتر بنيامين والتوحيدي واميري بركة ،ويفتح روايته بمقولات من ابن النديم والجاحظ وفالتر بنيامين وبورخيس ، وعنوان الجزء الاول من رواية فهرست لسنان أنطون كان (منطق الطير) هي استدعاء من النيسابوري، وحضور الاجناس الأدبية من خلال ادب الرسائل في هذه الرواية كان عبر كم المراسلات المنصهرة في متن الفضاء السردي : (الأستاذ نمير المحترم: تحية طيبة وبعد ...... اخوكم ودود عبدالكريم /بغداد 29 تموز 2003/ ص11) وايضًا (عزيزي الاستاذ نمير تحية طيبة وبعد : ارجو ان تكون قد وصلت بالسلامة وان تكون بخير اود اولًا التأكد من انك استلمت المظروف الذي تركته لك في الفندق .........الخ/ ص63) ((عزيزي ودود تحايا طيبة وبعد: اعذرني على التأخر في كتابه هذه الرسالة ، لقد كنت انتظر منك رسالة على بريدي الكتروني كما اتفقنا .......واود ان استأنس برأيك بخصوصه وهو كتابة رواية عنك/ ص65-66) وكذلك تداخلها مع نمط القصة القصيرة جدًا : (الزمن ثقب اسود...حفرة تقع بين الاشياء وتختفي حتى بداية كل هذا الوجود.....اما انا فاحلم بتغيير الماضي هذا منطقي ومنطق فهرسي/ ص26) (كان هارون يتفقد زوايا شارعه بحثًا عن احد رعاياه او وزرائه الذين يتظاهرون بانه..........ولم يفهم لماذا كانت مملكته خاوية هذا الصباح/ص29).((ظل الالبوم حتى تلك اللحظة التي اخترقت زجاج النافذة فيها قذيفة الشقة خالية وهم جميعا في الملجأ تحت الارض .... واحترق كل الملوك والرؤساء الذين كانوا مازالوا يطلون من شبابيك الطوابع كما احترقت البنايات والطيور عندما افلح الجيران وعامل المصعد المصري في اطفاء النيران كانت الشقة نفسها قد تفحمت /ص87-88) وما فيها من دلالة احتراق الشخوص وخرائط البنايات المفترضة وبقية الكائنات، بإمكانك كمتلق منتج ان تستخلص من هذه الرواية مقطوعات Microfiction بمضمون ودلالة متكاملة المعنى، بل حتى ان السارد في هذه الرواية لديه تناصات واستدعاءات من روايات عالمية أخرى كما في حوار (انا الذي ارى كل شيء وارى ما لا يرون) والتي تتناص مع حوار من شخصية الأمير ميشكين في رواية الابله لدستوفسكي ، وكذلك ثمة حضور لمقطع من رواية (المدن الخفية) لايتالو كالڨينو (إنّ الجحيم - إنْ وُجِد - ليس شيئًا سيَكون. بل إنّه هنا. الجحيم الذي نعيشُ فيه كل يوم و الذي نُكوّنه نحن بوُجودِنَا معًا. هناك طريقتان للتخلُّص مِن مُعاناته. الأولى سهلةٌ للكثيرِين: أن تقبلَ بالجحيم و تُصبح جزءً مِنه حتى لا تعُود تراه. الثانية خطرة و تتطلّب اليقظة القلقْ: أن تُفتّش و تعرف كيف تتعرّف على مَن و ما ليسوا جحيمًا، في خِضمّ الجحيم، ثُمّ أبقِ عليهم. أعطِهِم فضاءً !./ص86) وهنا يمثل تداخل الرواية في الرواية عبر هذه التوظيف المتناسق مع سياق الجملة السردية في رواية سنان أنطون فهو توظيف غير مقحم بل تناول جمالي وفكري معبر عن متن المعنى في سياق المشهد السردي بطريقة الميتا سرد وتنسيب السرد لتعويم الفكرة ببعد جمالي مفضي لمتعة الاحالة، وبخصوص استدعاء الشعر وتداخله ضمن بنية الرواية فيتجلى في شعر زهير بن ابي سلمى (وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم · وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ/ ص31 وكذلك : أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ...الخ النص/ ص31) وتوظيف بعض خمريات ابو نؤاس كما في /ص142) والتي تتداخل مع سردية حدثه وحوارات شخوصه في الرواية ، وحتى استخدام المعجم اللغوي يتمثل ذلك في بداية الجزء الخاص (بمنطق الزوراء) وحديثه عن تسمية الزوراء من الناحية اللغوية والمعجمية وكذلك حديثه في منطق المنضب (ص253) ، ولا ننسى حضور الطريقة المقالية وتمثلها في حديثه عن زيارة شارع المتنبي واستعراضه لعناوين الكتب الموجودة هناك: (لفت انتباهي نسخة قديمة من ديوان الجواهري الجزء الثالث كتب على غلافها بأحرف ناعمة شركة الرابطة للطبع والنشر 1953 ...... وعثرت على منتخبات من امرئ القيس منشورة في بيروت عام 1947 لم أسال عن السعر اضفت الكتاب الى الجواهري /ص44) وهناك مورد اخر لمثل هذا التداخل : ((انها نفس المشكلة القديمة التي واجهتها مع الكثير من اليساريين المعارضين للحرب في امريكا، يكرسون كل جهودهم لانتقاد سياسة حكومتهم وممارساتها وهذا حق وواجب ولكنهم يغمضون أعينهم عن جرائم الطاغية، بل يتغاضون عنها ويتعامون كلما سنحت الفرصة،لم يكن روي من هؤلاء لكنني اذكر انه قال لي ونحن في الطريق من عمان الى بغداد........ص63) وورت أيضا في هذا الجزء (في اذار 2004 قرات مقالة في جريدة نيويورك تايمز عن غسل الموتى تحدثت الصحفية عن رجل في الثالثة والثلاثين اسمه رعد عبود يغسل الجثث منذ كان في الثالثة عشرة ويتذكر الجثث التي كانت تأتي في الثمانينات عندما كان النظم يعدم ضحاياه ظن رعد ان الوضع سيتحسن بعد 2003/ ص84) وكذلك في هذا المقطع : (في بداية 2005 اتصلت بي صحفية تعمل في صحيفة ذا فالي نيوز قائلة انها تعد تحقيقًا عن اراء العراقيين المقيمين في المنطقة بخصوص الانتخابات البرلمانية التي كانت تجري في العراق/93)، فضلًا عن استدعاء نص الغريب لابي حيان التوحيدي.اما فيما يخص التداخل مع السيرة ففي الرواية بعض ما يتطابق ويقترب من السيرة الذاتية للروائي العراقي سنان أنطون وهذه بعض الإشارات : (الكتابة/ الدراسة في هارفارد/المشاركة في الفيلم الوثائقي عن الاحتلال/ مغادر الوطن/ أطروحة الدكتوراه/ أستاذ جامعي/ بيته في بغداد/.السفر لامريكا/.....الخ) اما الدرامية فهي حاضرة في كمية الأفعال المشحونة والصراع الداخلي الموجود في شخصيات هذه الرواية بخاصة ما يتعلق (بذاكرة/ ماضوية تلك الشخصيات) واثرها على حاضرهم ، وحضور الاسطورة والتاريخ في الرواية تجسد من خلال الجزء المتعلق بـ (منطق شبعاد/ ص236) والحديث عن الشخصيات الاسطورية ( نيسابا/ ابنة أن واوراش / اخت نينسون/ ام كلكامش، ام ننليل/ انكي) .انها رواية مميزة وثقت لجروح العراق تترك لك متعة التنزه في تعددية الاجناس وانفتاح السرد على الاجناس الأدبية الأخرى وبالتالي تقديم رواية منفتحة بنصية سردية ممتعة ومستفزة من خلال مجازاتها ورمزياتها اللغوية متعددة المدلولات.