ثلاثة من شعراء القريض العراقي
عمار عبد الواحد
مرت القصيدة العمودية القريض في تاريخ العراق الحديث بتحولات جمالية عميقة في بنيتها حيث شهدت القصيدة الكلاسيكية محطات فارقة ساهمت في حفظ فخامة اللفظ ورزانة المعنى بعيدا عن التقليد والمباشرة.
بدأت هذه العملية الفنية مع الشاعر محمد سعيد الحبوبي في نهاية القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين اذ مثل الممر النحوي والبياني الصلب بين تليد البلاغة العربية وروح الحاضر عرف السيد الحبوبي بامتلاكه نغما غنائيا صافيا وبقدرة شديدة على سبك الموشحات والتنوع في القصيدة العمودية الغزلية المهذبه العفيف على طريقة العذريين حيث ينقل المتلقي الى عوالم من الرقة والجزالة في وقت واحد ومن روائع بيانه الغزلي:
بلادك نجد والمحب عراقي
فغير بعيد ان يدم اشتياق
اتنكر يا ابن العشرين اني
اناحر في هوى بيض التراقي
ثم ياتي محمد مهدي الجواهري ليتربع على عرش العمود الشعري في منتصف القرن العشرين ممتلكا لسانا يعيد امجاد البحتري والمتنبي تميز التكوين الفني للجواهري بفخامة التراكيب وغزارة المفردات وقوة القافية التي ترن كالبرونز في اذن السامع كان يتعامل مع البحر الشعري بنفس طويل وقوة تعبيرية ضخمة تجعل البيت الواحد شبيها بقلعة عمرانية محكمة البناء ومن شواهده الجمالية له :
بالروحِ ردِّي عليها
إنها صلةٌبين المحبِّين
ماذا ينفعُ الجسدُمُدِّي
إليَّ يداً تمدَدْ إليكِ يدٌ
لابدَّ في العيشِ أو
في الموتِ نتَّحدُ
اما عبد الرزاق عبد الواحد فقد مثل الذروة المتاخرة في تطور هذا الفن خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين استطاع عبد الواحد ان يزاوج بين صرامة البناء العمودي الجواهري وبين الهمس الوجداني والايقاع الشجي المترع بالأسى العراقي الدفين تميز شعره بالبساطة الممتنعة والصور الفنية المتدفقة بسلاسة ومن عيون شعره الوجداني الذي يحمل صدق العاطفة لا تطرق الباب .
لا تطرق الباب.. تدري أنهم رحلو
اخذ المفاتيح وافتح، أيها الرجلُ!
أدري ستذهب.. تستقصي نوافذهم
كما دأبتَ.. وتسعى حيثما دخلوا
تراقب الزاد.. هل ناموا وما أكلوا
وتطفئ النور.. لو.. لو مرة فعلوا!
وفيك ألف ابتهال لو نسوه
لكيبهم عيونك قبل النوم تكتَحِلُ
شكل هذا الثلاثي نسقا تاريخيا فريدا حافظ على عافية اللسان العربي واثبت ان القصيدة العمودية كائن حي يتجدد بدماء مبدعيه دون ان يفقد هيبته الأصيلة.