قراءة لقصيدة عبدالمنعم حمندي.. البنية الدلالية والجمالية وتشظّي الوعي في قبل القيامة
رياض عبد الواحد
المقدمة:
ينتمي نص (قبل القيامة) إلى ذلك النمط من الكتابة الشعرية التي لا تتعامل مع القيامة بوصفها واقعة دينية مؤجلة فحسب إنما تستدعيها بوصفها استعارة كبرى لزمن إنساني بلغ من القهر والخراب والعماء حداً يجعل العذاب الآتي يبدو وكأنه قد وقع بالفعل. من هنا تتأسس المفارقة المركزية في النص، فالشاعر لا ينتظر القيامة لكي يرى الجحيم بل يكتشف أن الإنسان قد استبقها إلى جحيمه الخاص، وأن ما يفترض أن يكون مستقبلاً أخروياً صار حاضراً معاشاً
هذه النقلة من المرجعية الأخروية إلى التجربة الإنسانية هي التي تمنح النص كثافته الدلالية، إذ تتحول مفردات مثل الظلام والسكر والجنون والمجامر والخوف والموت والدماء والسماء والنار والجلود والزقوم إلى شبكة رمزية متماسكة تكشف عن عالم فقد توازنه الأخلاقي والوجودي
حدث سياسي
ولا يقوم النص على سرد واقعة محددة يمكن اختزالها في حدث سياسي أو اجتماعي بعينه بيد انه يبني مشهده بواسطة تراكم صور مأخوذة من الذاكرة الدينية والقرآنية ومن التجربة الإنسانية الحديثة، ثم يعيد تشكيلها داخل خطاب شعري تتداخل فيه النبوءة بالرثاء، والاحتجاج بالتأمل، والماضي بالحاضر، والمقدس بالدنيوي
واللافت أن الشاعر لا يقف خارج المشهد بوصفه شاهداً محايداً بل يدخل في ضمير الجماعة منذ قوله (وكنا من الخوف نخشى العيون) ، ثم يتسع هذا الضمير حتى يصبح سؤالاً وجودياً في قوله (فمن نحن حتى تنافح عنا الدماء). وبذلك ينتقل النص من وصف الآخر إلى مساءلة الذات، ومن مراقبة الخراب إلى التورط فيه
إن أهمية النص لا تكمن في كثرة الإحالات الدينية وحدها إنما في الطريقة التي يعاد بها إنتاج هذه الإحالات لتصبح لغة للكشف عن مأساة إنسانية معاصرة، وهو ما يجعل قراءة النص محتاجة إلى النظر في مستوياته التركيبية والدلالية والإيقاعية والرمزية والتناصية والنفسيةالنصيص بوصفه عتبة دلالية:
يحمل النصيص (قبل القيامة) مفارقة زمنية شديدة الأهمية فالقيامة في الوعي الديني حدث نهائي يقع بعد انقضاء الحياة الدنيا، بينما يضع الشاعر مفردة (قبل) في مقدمة هذا الحدث وكأنه يريد أن يقول إن هناك قيامة أخرى تسبق القيامة الكبرى، قيامة يصنعها الإنسان لنفسه ولغيره داخل الزمن الأرضي
وهنا يتحول النصيص من مجرد تحديد زمني إلى مفتاح تأويلي فالقيامة التي يتحدث عنها النص ليست بالضرورة القيامة الدينية في معناها العقائدي بل هي قيامة الخراب حين يصبح العالم نفسه شبيهاً بالمشهد الأخروي ولهذا فإن عبارة (قبل القيامة) تحمل دلالتين متعارضتين الدلالة الأولى هي انتظار الحدث الأخروي
واقع العيش
والدلالة الثانية هي أن ما ينتظر الإنسان في الآخرة قد صار مجازاً عن واقع يعيشه الإنسان الآن من هذه المفارقة يتولد التوتر الشعري الذي يظل فاعلاً حتى نهاية النص
الظلام بوصفه بنية لا مجرد صورة:
يفتتح الشاعر نصه بقوله
(يدور الظلام)
وهذه بداية لافتة لأن الظلام لا يأتي هنا بوصفه حالة ثابتة إنما بوصفه كياناً متحركاً
إن فعل (يدور) يمنح الظلام فاعلية وحركة، فيصبح الظلام هو الذي يتحرك في فضاء العالم وليس الإنسان الذي يتحرك داخله
وهذا الانقلاب في العلاقة بين الإنسان والظلام مهم للغاية
فالإنسان في النص لا يواجه ظلاماً خارجياً فقط بل يبدو محاصراً ببنية كاملة من العمى
(فدعهم سكارى
وفي غيهم يعمهون)
ثم يأتي التصحيح
(وما هم سكارى)
وهذه العبارة تستحضر بوضوح الصورة القرآنية المعروفة في وصف هول القيامة لكنها في السياق الشعري تؤدي وظيفة تتجاوز الإحالة الدينية
فالناس يبدون كأنهم سكارى لكنهم ليسوا سكارى بالخمر إنما هم في حالة من الذهول والصدمة والضياع
إنها سُكرة الخوف والقهر والخراب
من هنا تصبح عبارة (وما هم سكارى) ذات قيمة مزدوجة، فهي من جهة تصحح الصورة، ومن جهة تكشف سببها الحقيقي
إنهم في حالة تشبه السكر دون أن يكون السكر سببها
من سُكرة الخمر إلى سُكرة الغم:
يتابع الشاعر
(من الغم يمشون فوق المجامر لا يشعرون)
هنا تبلغ الصورة درجة عالية من التكثيف
فالمجامر تعني النار أو الجمر المتقد، والمشي فوقها يفترض ألماً شديداً لكن الشاعر يقول
(لا يشعرون)
وهذا التحول بالغ الأهمية
فالإنسان لم يعد يتألم من النار لأنه بلغ مرحلة من القهر جعلت الألم نفسه مألوفاً
وهذه واحدة من أكثر الدلالات قسوة في النص
فالخطر الحقيقي ليس أن يمشي الإنسان فوق الجمر بل أن يفقد إحساسه بالجمر
إن الاعتياد على الألم يتحول إلى شكل من أشكال الموت الداخلي
وبذلك لا تكون (المجامر) مجرد صورة للجحيم إنما تصبح استعارة لواقع قاسٍ فقد الإنسان أمامه حساسيته
الخوف ومراقبة العيون:
يقول الشاعر
(وكنا من الخوف نخشى العيون )
اللافت هنا أن الخوف لا يتجه إلى شيء محدد
لا يقول الشاعر إننا نخشى السيف أو الموت أو النار إنما نخشى (العيون)
وهذه صورة ذات حمولة نفسية واجتماعية عميقة
فالعيون هنا يمكن أن تكون عيون السلطة أو المجتمع أو الآخر أو الرقيب أو حتى عيون المجهول
إنها عين المراقبة التي تجعل الإنسان يعيش تحت تهديد دائم
ولهذا ينتقل النص من الخوف بوصفه إحساساً إلى الخوف بوصفه نظاماً للحياة
ثم يقول
(كأن الدروب تؤدي إلى الموت لو يعلمون)
الدروب التي يفترض أن تقود إلى النجاة تتحول إلى طرق نحو الموت
وهنا يحدث انقلاب آخر في وظيفة المكان
فالطريق لم يعد وسيلة للعبور أنما صار مساراً نحو النهاية
المرارة بوصفها تجربة جماعية:
يقول
(شربنا المرارات)
والفعل هنا شديد الدلالة
فالمرارة لا تُعاش فقط غير انها تُشرب
وبذلك يتحول الألم إلى مادة تدخل الجسد
إن الشاعر لا يتحدث عن حزن عابر، وإنما عن مرارة استقرت في الداخل حتى أصبحت جزءاً من تكوين الإنسان
ثم يذهب إلى صورة أكثر غرابة
(حتى توسّل جن برب المنون)
وهنا يدخل عنصر عجائبي داخل البنية الواقعية للنص
فالجن الذي ينتمي إلى عالم الغيب يصل إلى درجة من العذاب تجعله يتوسل
وبهذا تتجاوز شدة العذاب قدرة الإنسان وحده على الاحتمال حتى يبدو أن الكائن الغيبي نفسه قد بلغ حد الاستغاثة
ثم تأتي العبارة
(كفاك عقاباً)
وكأن النص ينتقل فجأة إلى خطاب مباشر مع قوة أعلى
وهذا الانتقال يفتح مساحة صوتية جديدة داخل القصيدة
(هذي جهنم) وإعادة ترتيب الزمن
من أقوى الأسئلة في النص
(أهذي جهنم
أنزلتها قبل ما يوعدون)
السؤال هنا ليس سؤالاً للحصول على جواب إنما سؤال صادم يرمي إلى كشف المفارقة
إذا كانت جهنم مرتبطة بالمستقبل الأخروي، فما الذي نراه الآن
هل سبق العذابُ موعدَه
أم أن العالم الدنيوي أصبح شبيهاً بجهنم
إن كلمة (قبل) التي ظهرت في النصيص تعود هنا داخل النص لتؤكد بنيته الزمنية
النصيص يقول
(قبل القيامة)
والنص يقول
(أنزلتها قبل ما يوعدون)
وبذلك يصبح الزمن نفسه موضوعاً للصراع
المستقبل الأخروي يتسلل إلى الحاضر، والحاضر يتقمص ملامح الآخرة
العمى الجماعي:
يقول الشاعر
(تراهم كتائب شتى وعُمياً بغاب العماء)
هذه من أكثر الصور كثافة في النص
فالناس (كتائب) ، أي جماعات منظمة أو متراصة لكنها في الوقت نفسه (عمي)
وهنا تبرز مفارقة بين التنظيم والوعي
قد تكون الجماعة كثيرة وقوية من حيث العدد لكنها فاقدة للرؤية
أما عبارة (غاب العماء) فتضاعف الإحساس بالضياع
فالغابة مكان تتعدد فيه المسالك، والعماء غياب الرؤية، وبالتالي يصبح الإنسان داخل فضاء لا يستطيع فيه معرفة الاتجاه
وهذا ينسجم مع صورة (الدروب) السابقة
فالمشكلة ليست أن الطريق خطير فقط بل أن الإنسان لم يعد يعرف أين الطريق أصلاً
الطبيعة تدخل في مأساة الإنسان:
من أجمل التحولات في النص قوله
(ويبكي التراب بعينين مذعورتين
وتبكي السماء)
فالتراب والسماء يدخلان هنا في دائرة الحزن
وهذا ما يمكن تسميته بتشخيص الطبيعة
لكن التشخيص هنا ليس للزينة البلاغية بل له وظيفة دلالية
حين يبكي التراب وتبكي السماء فهذا يعني أن المأساة تجاوزت الإنسان إلى الكون المحيط به
والأكثر إثارة هو قوله
(بعينين مذعورتين)
فالتراب الذي لا يملك عينين يمنح له الشاعر عينان
لكن هاتين العينين ليستا عينَي مراقبة، بل عينان مذعورتان
وبذلك يصبح الكون نفسه شاهداً على الخوف
ثم يأتي السؤال
(فمن نحن
حتى تنافح عنا الدماء)
وهنا تبلغ القصيدة لحظة أخلاقية عميقة
فالدماء نفسها تتحول إلى طرف مدافع
لكن الشاعر يسأل عن استحقاق الإنسان لهذا الدفاع
وهذا السؤال يمنع النص من التحول إلى خطاب شكوى مجاني
فالذات لا تكتفي بإدانة العالم بل تسأل عن موقعها هي داخل المأساة
النص القديم وذاكرة الخراب:
يقول
(قرأت الظلام بنص قديم
تسلل جثمانه في الجنون)
هنا تدخل القراءة نفسها إلى قلب التجربة الشعرية
الشاعر لا يعيش الظلام فقط بل (يقرأه)
وهذا انتقال من التجربة المباشرة إلى تجربة الوعي
أما (النص القديم) فيمثل ذاكرة سابقة تستمر في الحاضر
لكن الصورة الأشد غرابة هي
(تسلل جثمانه في الجنون)
فالنص القديم لا يعود بوصفه نصاً حياً إنما بوصفه (جثماناً)
وهذه الصورة يمكن قراءتها بوصفها تعبيراً عن ذاكرة حضارية لم تعد تستعاد بصورة سليمة
إنها ذاكرة ميتة تتسلل إلى حاضر مضطرب
وبذلك يصبح الماضي نفسه مصاباً بالجنون حين يعاد إنتاجه في حاضر مختل
نفي القيامة بوصفها نهاية وحيدة:
يقول
(وليس صريخ القيامة ما يزعمون)
ثم
«نهاية كل الحياة كما تشتهي
وليت كما نشتهي أن نكون»
هنا يخرج النص من الصورة الأخروية إلى التأمل الفلسفي
فالقيامة ليست مجرد نهاية للحياة، وإنما تصبح سؤالاً حول طبيعة النهاية ومن يملك حق تعريفها
ثم تظهر كلمة «نشتهي»
وهذه الكلمة مهمة لأنها تنقل الخطاب من الحتمية إلى الرغبة
هناك نهاية كما تشتهي قوة ما
وهناك نهاية يتمنى الإنسان أن تكون كما يشتهي
وبذلك يدخل الصراع بين إرادة الإنسان وإرادة العالم أو القدر أو السلطة أو الموت
(بموتين جئنا» ومضاعفة الفناء:
من أكثر المقاطع كثافة
(بموتين جئنا
وفي غيضة الماء عدنا إليك)
فالمجيء نفسه مرتبط بالموت
وهذه مفارقة وجودية
فالإنسان يولد وفي داخله موت، أو يأتي إلى العالم محمولاً على معرفة مسبقة بالفناء
ثم يقول
(عدنا إليك)
فالحركة الوجودية تصبح دائرة
مجيء
ثم عودة
ولادة
ثم موت
لكن الموت هنا لا يبدو نهاية مطلقة، بل عودة إلى مصدر سابق
وهذا يمنح النص بعداً صوفياً خفياً لا يفرض نفسه على القراءة لكنه يظل ممكناً داخل بنية (جئنا) و(عدنا إليك)
(لأجلك كنا).وتوتر الغاية:
يقول
(لأجلك كنا
وفي المتن كنا
وفي لجة البحث كنا المتون)
هذا المقطع يفتح النص على سؤال الغاية
(لأجلك كنا) تعني أن الوجود كان موجهاً نحو غاية عليا
لكن سرعان ما ينتقل الشاعر إلى (المتن) و(البحث) و(المتون)
وهذه المفردات تنقل النص من الحيز الديني إلى الحيز المعرفي
فالإنسان موجود داخل المتن، لكنه أيضاً باحث عن المتن
وهنا يمكن النظر إلى «المتن» بوصفه مركز الحقيقة أو المعنى، بينما تمثل «لجة البحث» المسافة الشاقة التي تفصل الإنسان عن ذلك المركز
والعبارة
«كنا المتون»
تحول الإنسان نفسه من قارئ للنص إلى نص
وهذا انتقال بالغ الأهمية
فالإنسان لا يبحث عن معنى خارجي فقط، بل يصبح هو ذاته مادة للقراءة
الثالث عشر
النار بوصفها تجربة معرفية
يقول
وفي النار لما مكثنا
خبرنا بأن قليلاً من الصبر منا
سيخبو اللهيب)
النار هنا ليست مجرد عقوبة
إنها تجربة
فالإنسان يدخل النار ثم «يخبر»
أي أن الألم ينتج معرفة
وهذه واحدة من البنى العميقة في النص
المعرفة لا تأتي من الراحة، وإنما من الاحتراق
والصبر لا يلغي النار، لكنه يخفض اشتعالها
ثم يقول
(ولا تستغيث الجلود)
وهذه العبارة تستعيد بوضوح معجم العذاب الأخروي، لكنها تدخل في تركيب جديد
فالجلد الذي يستغيث في التصور الأخروي يصبح هنا جزءاً من تجربة بشرية متخيلة أو رمزية
ثم يأتي السؤال
(فهل تصبرون)
وهذا السؤال يحول القصيدة من وصف العذاب إلى امتحان أخلاقي
السواد والقهر والقتاد والزقوم:
في الخاتمة تتكثف الرموز
(تخضب فينا السواد
وفي القهر ينمو القتاد
تبرعم زقومه في البلاد)
إنها خاتمة شديدة القسوة
السواد لا يحيط بالإنسان فقط، وإنما (يتخضب فيه)
أي أن السواد يتحول إلى دم أو لون مستقر في الجسد
أما القتاد فهو نبات مرتبط في المخيال العربي بالقسوة والشوك، فيصبح القهر أرضاً صالحة لنموه
ثم تأتي (الزقوم)
وهنا تكتمل الدائرة الأخروية
فالزقوم لا يظهر في الآخرة فقط، بل (تبرعم في البلاد)
وهذه العبارة من أقوى عبارات النص من حيث نقل الرمز الديني من فضائه الأخروي إلى الفضاء الأرضي
لم تعد البلاد مكاناً للحي