سامي المظفر.. سيرة عطرة وأثر لا يمحى
باسل الخطيب
كان قريباً من نفسي، وسيبقى كذلك ما دمت حياً. عرفته منذ أن كان أستاذاً مرموقاً في كلية العلوم جامعة بغداد، تحيط به محبة طلبته واحترام زملائه وتقديرهم. وتواصلت علاقتي به كعالم وقدوة، فكنت أحرص على تغطية جوانب من نشاطه لتزيين الصفحات العلمية التي كنت أشرف عليها، ومن ذلك تغطية حضوره مناقشة أطروحة دكتوراه في أول يوم لتوليه منصب وزير التربية، حتى قبل أن يباشر عمله في مقر الوزارة.
ثم شاء القدر أن أتشرف بالعمل بمعيته مديراً للإعلام، عندما أصبح وزيراَ للتعليم العالي والبحث العلمي. وفي خضم العمل طالما كان يفضفض لي بين الحين والآخر عما يجول في خاطره، ومنها قوله بالحرف الواحد (إن أكبر جريمة ارتكبتها بحق نفسي كانت حينما قبلت أن أكون وزيراً).
كما كنت شاهداً على العديد من اللقاءات العامة والخاصة التي كانت تجمعه بشخصيات أو وفود عامة أو أكاديمية، حيث تجلت فيها شخصيته المحبة للخير، والحريصة على الرصانة العلمية والمصلحة العامة، ونظافة اليد، والابتعاد عن سفاسف الأمور.
ويحسب له مواقفه المشهودة التي جسد فيها حرصه العميق على صيانة هيبة التعليم العالي والدفاع عن ثوابته واستقلال قراره. ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، موقفه الحازم في التصدي لمحاولة إحدى القوى المتنفذة التدخل في نظام الدراسات العليا، إذ لم يتردد لحظة في الوقوف بوجه ممثلها، واضعاً حداً لأي تجاوز للسياقات الأكاديمية المعتمدة، مواجهاً إياه بالحجة الدامغة والدليل القاطع بدون أي مجاملة. وهو ما أدى إلى تراجع ممثل تلك الجهة وسحب الكتاب الرسمي الذي كان قد وجهه للوزارة بهذا الشأن.
إن موقف المظفر من ذلك التدخل لم يكن مجرد اعتراض عابر، إنما كان تعبيراً أصيلاً عن موقف شخصية أكاديمية أصيلة، تؤمن بثوابت التعليم العالي وقيمه وضرورة استقلاليته والنأي به عن أي تدخل حزبي أو سياسي أياً كانت الجهة التي تقف وراءه أو حجم نفوذها.
وحتى بعد أن شاءت الأقدار أن أغادر بغداد لأسباب قاهرة، استمرت علاقتنا عبر الانترنت، حيث كانت أتابع بشغف كبير ما ينشره من إضاءات علمية وعامة، تنم عن إحساس وطني صميمي، ورغبة أكيدة في الإصلاح ومعالجة الإخفاقات في شتى المجالات.
وهنا أدعو كل من يعنيهم أمر العراق إلى مراجعة ما نشره الراحل الكبير من إضاءات مهمة وأفكار بناءة على صفحته الشخصية في الفيسبوك. كما أتمنى على أهله أن يجمعوا ما نشره من تلك الإضاءات في كتاب لما لها من قيمة علمية وفكرية ووطنية مهمة إعماماً للفائدة.
ألف رحمة ونور على روح العم الغالي سامي عبد المهدي المظفر، الإنسان المحترم والمربي الفاضل والعالم الجليل والمسؤول القدير والنزيه، الذي رحل جسداً لكنه ترك سيرة عطرة وأثراً لا يمحى في نفوس طلبته ومحبيه وكل من عرفه. والصبر والسلوان لأهله وذويه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.