هل نحن أحراراً حقاً؟
هدى زوين
نحن نحب الإعتقاد أن الإنسان حر ما دام يستطيع أن يختار لكن الحرية ليست دائماً في وجود الاختيار بل في القدرة على اتخاذه دون أن يعرف أحد مسبقاً إلى أين يجب أن ينتهي هذا الاختيار. قد نختار ما نريد لأننا نريده فعلاً وقد نختاره لأن الطريق أمامنا رُسم بطريقة جعلت الخيارات الأخرى تبدو مستحيلة وقد نصمت لأن الصمت يناسبنا وقد نصمت لأننا تعلمنا أن لبعض الكلمات أثماناً لا يرغب الجميع في دفعها.
وهنا تبدأ الحكاية: فالإنسان قد يعيش في فضاء واسع ويتحرك كما يشاء لكنه يعرف في داخله أن هناك خطوطاً غير مكتوبة من الأفضل ألا يقترب منها. ومن يملك القدرة على رسم هذه الخطوط لا يحتاج دائماً إلى إعلانها. يكفي أن يعرف الناس أنها موجودة. في واقعنا اليوم لم تعد صناعة الرأي بحاجة إلى صوت واحد يعلو فوق الجميع فقد تكفي رواية تتكرر حتى تصبح مألوفة وكلمة تتغير دلالتها حتى يصبح الخطأ مقبولاً وصورة تختار بعناية لتجعل المشهد يبدو مختلفاً عما هو عليه. وهكذا لا يصبح التأثير في الناس قائماً على ما يُقال فقط بل على ما يُترك خارج الكلام.
ما الذي يظهر؟
ما الذي يغيب؟
ما الذي يستحق الاهتمام؟
وما الذي يمر دون أن يلتفت إليه أحد؟
وهذه مساحة واسعة لمن يملك المنبر والقدرة على توجيه المشهد. فالناس لا تخاف دائماً من المنع المباشر بقدر ما تخاف من نتائجه المحتملة ولهذا قد يراجع الإنسان كلمته قبل أن يقولها وقد يخفف موقفه قبل أن يعلنه وقد يختار السلامة حين يشعر أن الاختلاف سيضعه في مكان لا يريد الوصول إليه. وحين يتكرر ذلك طويلاً يصبح الإنسان أكثر حذراً مما ينبغي دون أن تصله تعليمات واضحة.
وهنا تكمن قوة التأثير الناعم، أن تجعل الحدود مفهومة دون أن تكتب وأن تجعل الصمت يبدو اختياراً شخصياً وأن تجعل الناس يتعلمون بأنفسهم أين يقفون. لكن الحرية لا تعني أن نعارض كل شيء ولا أن نحول الاختلاف إلى خصومة بل أن نمتلك القدرة على التفكير خارج المسار الجاهز وأن نسأل عندما تصبح الإجابات كثيرة أكثر من اللازم وأن نحتفظ بحقنا في رؤية المشهد من زاوية أخرى. فالإنسان الحر ليس من يرفع صوته دائماً بل من لا يسمح لأحد أن يستعير عقله وقد تكون أخطر خسارة للحرية أن يصبح الإنسان قادراً على الكلام لكنه يعرف مسبقاً ما الذي ينبغي ألا يقوله عندها لا تختفي الحرية تماماً لكنها تصبح ناقصة وربما لهذا لا تحتاج الحرية إلى معركة كبيرة كي تبدأ. فقد تبدأ من لحظة بسيطة يراجع فيها الإنسان فكرة اعتاد عليها ويسأل نفسه هل اخترتها حقاً أم وجدتني داخلها لأن أول خطوة نحو الحرية ليست أن نكسر كل الأبواب بل أن نعرف من رسم لنا الطريق وعندما نعرف ذلك يصبح اختيارنا أكثر صدقاً. وهنا يبقى السؤال الذي لا يملك أحد حق الإجابة عنه نيابة عنا، هل نحن أحرار حقاً؟ أم أننا فقط نختار داخل مساحة صُممت لنا ثم نمنح أنفسنا شعوراً جميلاً بأننا اخترناها بأنفسنا.