الهجرة الجماعية الكبرى.. هل يسمح القانون بعودة اليهود إلى العراق؟
حسن الحيدري
على مدى قرون طويلة كان اليهود جزءا اصيلا من المجتمع العراقي ولم يكن وجودهم مرتبطا بقيام اسرائيل ( على الاراضي الفلسطينية المحتلة) في القرن العشرين بل تعود جذور الوجود اليهودي في العراق الى عصور قديمة جدا ففي العصر الحديث كانت الطائفة اليهودية واحدة من المكونات المهمة للمجتمع العراقي وخصوصا في بغداد والبصرة والموصل ومدن عراقية اخرى حيث كانت بغداد المركز الاكبر للحياة اليهودية العراقية فقد عاش اليهود في عدد من محلاتها واحيائها ومن اشهرها (البتاوين والكرادة والعلوية والمسبح) اضافة الى مناطق بغداد القديمة مثل (الشورجة وسوق حنون وعكد الجام ومحلة التوراة)
ولم تكن البتاوين مجرد منطقة سكنية بل ارتبط اسمها بصورة وثيقة بالحياة اليهودية في بغداد حيث كانت تضم بيوتا ومعابد ومدارس ومؤسسات يهودية
ولم يقتصر الوجود اليهودي على بغداد فقد عاشت تجمعات يهودية مهمة في (البصرة والموصل وكركوك واربيل والسليمانية والحلة والديوانية والناصرية والعمارة والكوت ) وغيرها من المدن العراقية كما ارتبط اليهود العراقيون بمناطق ذات اهمية دينية وتاريخية مثل الكفل في محافظة بابل والعزير في محافظة ميسان حيث توجد مواقع ارتبطت بالتراث الديني اليهودي ولهذا فان الوجود اليهودي لم يكن ظاهرة بغدادية فقط بل كان منتشرا في مناطق مختلفة من العراق
وتشير الوثائق التاريخية الى ان عدد اليهود في العراق وصل الى نحو مئة وثلاثين الف شخص عام 1949 وكان معظمهم مواطنين عراقيين
نقطة تحول
لكن تاريخ اليهود العراقيين شهد نقطة تحول كبيرة خلال القرن العشرين وخصوصا بعد احداث التي اعقبت سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني وعودة الوصي في بغداد عام 1941 فقد تعرض اليهود للقتل والاعتداء والنهب وتدمير الممتلكات وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى وترك ذلك اثرا عميقا في المجتمع اليهودي العراقي واثر في شعور كثير من اليهود بالامن والاستقرار ثم جاءت حرب عام 1948 وتجمع اليهود في اسرائيل ( على الاراضي الفلسطينية ) ليدخل الوجود اليهودي في العراق مرحلة جديدة اصبحت فيها الطائفة اليهودية مرتبطة بصورة متزايدة بالصراع العربي الاسرائيلي
وفي عامي 1950 / 1951 حدثت الهجرة الجماعية الكبرى لليهود العراقيين الى اسرائيل وفقد قسم كبير ممن غادروا الجنسية العراقية وفقا للتشريعات التي صدرت في تلك الفترة كما صودرت ممتلكات واسعة لهم ومع مرور السنوات استمرت هجرة اليهود من العراق وانخفض عددهم بصورة كبيرة حتى اصبحت الطائفة اليهودية العراقية التي كانت تعد عشرات الالاف لجماعة صغيرة جدا لكن بعد 2003 عاد سؤال مهم الى الواجهة وهو هل يستطيع اليهودي العراقي او احفاد اليهود العراقيين العودة الى وطنهم فالاجابة القانونية ليست بسيطة لان هناك فرقا بين اليهودي العراقي الذي ما زال يحمل الجنسية العراقية وبين شخص من اصل عراقي فقد جنسيته وبين شخص يحمل اليوم الجنسية الاسرائيلية اما من حيث المبدأ فلا تجعل الديانة اليهودية المواطن العراقي ممنوعا من العيش في العراق كون االدستور العراقي يقر مبدأ المساواة بين المواطنين ويحظر التمييز على اساس الدين او المعتقد كما يعترف باليهودية ضمن المكونات الدينية في العراق لكن العقبة الرئيسية هي في قانون الجنسية العراقية رقم 26 لسنة 2006 فقد وضع القانون حالات لاسترداد الجنسية العراقية ممن فقدوها في ظروف معينة لكنه استثنى في المادة 18 الاشخاص الذين زالت عنهم الجنسية استنادا الى القانونين رقم 1 لسنة 1950 ورقم 12 لسنة 1951
قوانين موقته
وهذه القوانين ترتبط بمرحلة خروج اليهود العراقيين وفقدان الجنسية وهذا يعني ان اليهودي العراقي الذي فقد جنسيته في تلك المرحلة لا يستطيع بمجرد اثبات ان عائلته كانت عراقية ان يعتبر نفسه مستعيدا للجنسية بصورة تلقائية ومن هنا يجب التفريق بين الاصل العراقي وبين الجنسية العراقية الحالية فضلا عن قانون تجريم التطبيع مع اسرائيل رقم 1 لسنة 2022 والذي اثار بدوره نقاشا حول الزيارات الدينية فالقانون يتضمن استثناءا يتعلق ببعض الزيارات الدينية التي تحصل على الموافقات الرسمية المطلوبة لكن هذا الاستثناء لا يعني ان القانون منح اليهود العراقيين حقا عاما في العودة الى بغداد والاقامة فيها فالزيارة الدينية شيء والعودة للسكن شيء اخر واستعادة الجنسية شيء ثالث وبالتالي اذا كان هناك يهودي عراقي ما زال يحتفظ بجنسيته العراقية فان ديانته بحد ذاتها لا تمنعه من العودة والاقامة في بغداد اما اذا كان قد فقد الجنسية فان عودته تحتاج الى معالجة وضعه القانوني وفق قوانين الجنسية والاقامة واذا كان يحمل الجنسية الاسرائيلية فان المسالة تصبح اكثر تعقيدا بسبب القيود التي يفرضها القانون العراقي الواضح في تجريم التطبيع وعدم الاعتراف باسرائيل كدولة لذا فان اعادة فتح النقاش حول عودة يهود العراق لا تعني بالضرورة اعادة المجتمع اليهودي الى حجمه الذي كان عليه قبل عشرات السنين ولا تعني تجاهل التاريخ السياسي والصراع العربي الاسرائيلي لكنها تطرح سؤالا مهما حول معنى المواطنة العراقية ..
ان تاريخ البتاوين والكرادة والبصرة والموصل والكفل والعزير وغيرها يذكرنا بان اليهود لم يكونوا غرباء عن العراق بل كانوا جزءا من تاريخه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ولهذا فان اي نقاش مستقبلي حول عودتهم يحتاج الى اساس قانوني واضح يميز بين المواطن العراقي وديانته من جهة وبين العلاقات السياسية الممنوعة مع اسرائيل من جهة اخرى ....