الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصيدة أمين جياد.. قراءة نقدية بنيوية في مكنونات (جدار البرق)


قصيدة أمين جياد.. قراءة نقدية بنيوية في مكنونات (جدار البرق)

سعد دسوقي

 

جدار البرق

أمين جياد الخزرجي

هل اتقصَّدُ ان احمِلَ قوْتَ الحُبِّ ,

على تاج امرأة ذاهبة كالبرق ؟

هل ادخل بين جدارين بعيدين ,

على الاول , قشرة ثوب عافته امرأة ,

شبَّت في كفَّيها الاحجار ,

وسالت اعمدة من اشجار في زنديها ,

فتوارت ثانية كالبرق ...

وعلى الثاني ,

عينا امرأة راحلة , قطعت بالدمع ضفائرها ,

اشتعلت في رقصة ضوء قزحي ,

تركت دمها يشبه حرفا ازليا ,

يلتف على اسماء غامضة ,في بئر متروك ,

يلتف على احجار خضر ,نقشت فيها ....

زقُّورات ,ومسلاّت ,ووصايا القوت ,وصايا البرق ,وصايا الثوب ,وصايا اعمدة اجهلها ,

تسقط كالبرق ....

زحف الموت الى مائدة النار ,

فجاء جدار دخان مبلول ,

يمسك ذيل النار ,

توارى البعض , بسرٍٍّ ٍ مكشوف كالنهد ,

توارى البعض بتاج ,من خوص السَّعف

توارى الثوب المُتَفَتِّتُ ,في لُجَّة بحر ,

وتوارت عينا امرأة خلف ضفائرها ,

وتدانى الحجر الأخضر ,عند شواطئه المطمورة بالورد ,

فجاء جدار البرق .

التحليل العميق

تنهض قصيدة «جدار البرق» للشاعر أمين جياد على بناء رمزي كثيف تتداخل فيه المرأة والحب والبرق والثوب والحجر والنار والموت، لتشكيل عالم شعري يتجاوز المعنى المباشر إلى فضاء الذاكرة والغياب والوجود. ومنذ الاستهلال: «هل أتقصّد أن أحمل قوت الحب، على تاج امرأة ذاهبة كالبرق؟» يضعنا الشاعر أمام سؤال وجودي عن محاولة الاحتفاظ بما يرحل، فالبرق يصبح رمزا للحضور الخاطف الذي يضيء ثم يغيب، بينما يتحول «تاج المرأة» إلى علامة للجمال والذاكرة. ويأتي الجداران ليشكلا فاصلا بين عالمين: الحضور والغياب، الذاكرة والنسيان، وما يمكن الإمساك به وما يفلت من اليد. وعلى الجدار الأول تبقى «قشرة ثوب» المرأة، وعلى الثاني تظهر عيناها الراحلتان، فيتحول الجسد الغائب إلى أثر باق في الذاكرة. ثم يتسع النص من التجربة العاطفية إلى الذاكرة الحضارية باستدعاء الزقورات والمسلات والوصايا، وكأن رحيل المرأة يستدعي رحيل أزمنة كاملة، فيمتزج الخاص بالجمعي، والعاطفي بالحضاري. ويأتي «الدم» في صورة «حرف أزلي» ليؤكد فكرة الأثر الذي يتجاوز الزمن. أما «زحف الموت إلى مائدة النار» فيمثل انتقالا إلى ذروة الفقد، وتبلغ الصورة السريالية ذروتها في «جدار دخان مبلول يمسك ذيل النار»، حيث تتجاور عناصر متناقضة لتصنع مشهدا شعريا كثيفا. وتتكرر مفردة «التواري» حتى تصبح القصيدة كلها حركة مستمرة من الحضور نحو الغياب، إلى أن تأتي النهاية: «فجاء جدار البرق»، فتتحول اللحظة العابرة إلى حاجز نهائي. وهنا تتجلى المفارقة المركزية في النص: البرق الذي كان عابرا أصبح جدارا، والضوء صار فاصلا، والحب تحول إلى ذاكرة. لذلك فالنص لا يقدم معنى جاهزا، وإنما يدعو القارئ إلى المشاركة في اكتشاف دلالاته، مستندا إلى الرمز والتكثيف والمفارقة والتداعي الصوري، وهو ما يمنحه خصوصيته الشعرية.

النقد والملاحظات

تكشف القصيدة عن تجربة شعرية ناضجة في توظيف الرمز والصورة المركبة، ويحسب للشاعر ابتعاده عن المباشرة وقدرته على تحويل الثوب والعين والحجر والنار والبرق إلى علامات تتجاوز معناها الحسي. كما أن استدعاء الزقورات والمسلات والوصايا يمنح النص بعدا حضاريا واضحا ويؤكد عمق صلته بالذاكرة العراقية. والملاحظة الأساسية أن كثافة الصور وتتابعها قد تجعل بعض الانتقالات شديدة القفز، فيجد القارئ مسافة دلالية واسعة بين مشهد وآخر، كما أن تراكم الرموز في بعض المقاطع قد يشتت مركز الصورة. وكان يمكن قدر يسير من الاقتصاد أن يمنح بعض الصور مساحة أكبر للتأثير. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة النص، بل تؤكد طموحه الفني، خصوصا أن الشاعر يمتلك خيالا خصبا وقدرة واضحة على بناء صور غير مألوفة تجمع بين الحس والجمال والذاكرة.

الثناء والخلاصة النقدية

«جدار البرق» ليست قصيدة عن امرأة راحلة فحسب، بل عن الإنسان حين يحاول الاحتفاظ بما يفلت منه، وعن الذاكرة حين تتحول إلى جدار، وعن الحب حين يصبح أثرا يقاوم الفناء. وقد نجح أمين جياد في بناء عالم شعري خاص تتداخل فيه الأنوثة والذاكرة والحضارة والموت والضوء، مستفيدا من لغة إيحائية وصور جريئة وخيال واسع. وبرغم حاجتها في بعض المواضع إلى قدر أكبر من الاقتصاد والربط الدلالي، فإن القصيدة تؤكد امتلاك الشاعر صوتا شعريا مميزا وتجربة تستحق القراءة والتأمل والدراسة النقدية.

خلاصة

قصيدة تقوم على الغياب بوصفه حضورا، والبرق بوصفه ذاكرة، والجدار بوصفه حدا فاصلا بين ما كان وما صار؛ وفي هذا التشكيل الرمزي تكمن جماليات تجربة أمين جياد وخصوصيتها.}.


مشاهدات 55
الكاتب سعد دسوقي
أضيف 2026/09/07 - 10:11 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 11:25 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1693 الشهر 11810 الكلي 16544330
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير