الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الولاء وسيادة القرار والحق في إختيار الطريق


عندما يصبح الوطن إختباراً للضمائر

الولاء وسيادة القرار والحق في إختيار الطريق

علاء العاني

 

ثمة لحظات لا يعود فيها الوطن مجرد أرض نعيش عليها، ولا اسماً نحمله في الوثائق، بل يصبح اختباراً حقيقياً للضمير والانتماء. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عن موقفنا من الآخرين بقدر ما يكون السؤال عن موقفنا من وطننا، وعن قدرتنا على أن نضع مصلحته فوق كل اعتبار. فالوطن ليس حكومة عابرة، ولاحزبا ، ولا زعيما، ولا مذهبا، ولا موقف سياسي.

وفي العراق، حيث تداخلت خلال العقود الماضية الحروب والتحالفات والصراعات الإقليمية، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى أن نسأل أنفسنا بهدوء ماذا يعني أن يكون العراق أولاً؟

هناك أسئلة لا تحتاج إلى كثير من العناء للإجابة عنها، لأنها تتصل بأبسط قواعد الانتماء إلى الوطن. ومن بينها سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يحمل الكثير من الدلالات، ماذا لو نشبت حرب بين العراق وإيران، مع من سيكون العراقي؟

ليس المقصود من هذا السؤال إشعال خصومة مع إيران، ولا تحميل الشعب الإيراني مسؤولية سياسات حكومته، ولا الدعوة إلى القطيعة مع دولة جارة تربطها بالعراق علاقات تاريخية، انه سؤال عن الهوية الوطنية عندما توضع امام اختبار حقيقي.

فالعراقي الذي ينتمي إلى وطنه، أياً كان مذهبه أو قوميته أو توجهه السياسي، يفترض أن تكون بوصلته الأولى هي العراق، وأن تكون مصلحة بلده وسيادته وأمنه واستقلال قراره فوق أي اعتبار آخر.السؤال ليس موجهاً إلى طائفة، أو قومية أو حزب أو تيار، وليس دعوة إلى خصومة مع دولة جارة أو شعب شقيق. إنه سؤال عراقي خالص، ينبغي أن يطرح بهدوء ووضوح ماذا يعني أن يكون العراق أولاً؟                         

مصالح اقتصادية

العراق بلد عريق، له تاريخه وحضارته ومصالحه وعلاقاته مع محيطه العربي والإقليمي والدولي. ومن الطبيعي أن تكون له علاقات وثيقة مع جيرانه، وأن تتبادل الدول المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. لكن العلاقات بين الدول شيء، والانتماء الوطني شيء اخر، فالصداقة مع دولة أخرى لا تعني أن تصبح مصالحها مقدمة على مصالح الوطن، والتعاون معها لا يعني أن يتحول القرار الوطني إلى امتداد لقرارها،العراقيون يعرفون، أكثر من غيرهم، معنى أن تُدفع البلاد إلى حرب لا يحتمل المجتمع نتائجها. والحرب العراقية ـ الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات تركت جراحاً عميقة في الذاكرة والإيرانية معا .                                                                                

ان استحضار هذه الذاكرة ليست دعوة للكراهية، بل انه تذكير بأن العلاقات بين الدول لا يمكن ان تقوم على النسيان الانتقائي، فمن حق الشعوب ان تتطلع الى المستقبل، لكن ليس من حقها ان تمحو الماضي.

وحتى المياه، التي يفترض أن تكون بعيداً عن التجاذبات السياسية، أصبحت جزءاً من النقاش حول     العلاقات العراقية حتى مع دول الجوار                                                                          فحوض دجلة لا يخص العراق وحده، وإنما تتداخل فيه دول عدة، كما أن عدداً من روافده ينبع من تركيا وإيران. وهناك اتفاقيات تنظم بعض المياه والأنهار الحدودية بين العراق وإيران              

وقد اتهم مسؤولون عراقيون في مناسبات مختلفة إيران بتقليل أو تحويل او تقليص وتغير مسار مياه عدد من الروافد والأنهار التي تصل إلى العراق، وتحدثت وزارة الموارد المائية العراقية عن تأثر وغلق عدد من الأنهار والروافد يبلغ عددها 11رافدا، بالإجراءات الإيرانية، وهذا يدفعنا إلى سؤال بسيط هل يستطيع العراق أن يدافع عن حقوقه المائية بالطرق القانونية والدبلوماسية، كما تفعل الدول التي تعرف قيمة سيادتها؟

إن الدفاع عن حصة العراق من المياه ليس عداءً لإيران، كما أن مطالبة العراق بحقوقه ليست موقفاً ضد الشعب الإيراني. إنها ببساطة ممارسة لحق الدولة في حماية مصالح مواطنيها.

بعد 2003… النفوذ الذي تجاوز مفهوم الحوار

بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه السياسي. وتبدلت موازين القوى، وظهرت قوى سياسية وأمنية واجتماعية جديدة، فيما اتسعت مساحة النفوذ الإقليمي داخل المشهد العراقي                                                                              وكان لإيران.

 بلا شك، نفوذ واسع في العراق، سياسياً وأمنياً وعبر علاقاتها مع عدد من القوى والفصائل العراقية. وقد تناولت دراسات ومراكز بحثية هذا النفوذ وتأثيره في السياسة العراقية وفي عدد من الفصائل المسلحة،                                                                                   

لكن المشكلة ليست في أن تكون للعراق علاقات مع إيران، المشكلة هل يستطيع العراق أن يقول «لا» عندما تتعارض مصلحة العراق مع مصلحة أي دولة أخرى؟

وهنا يصبح الحديــــــــــــــــث عن السيادة أكثر من مجرد شعار                                                                                                    فالسيادة ليست علماً يرفرف فوق المباني الحكومية، ولا خطاباً سياسياً في المناسبات الوطنية. السيادة تعني أن تكون هناك دولة واحدة، وقرار واحد، ومؤسسة عسكرية وأمنية واحدة، وأن يكون السلاح خاضعاً للقانون، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها فالعراق ليس ساحة حرب بالوكالة، والعراقيون ليسوا وقودا لصراعات الاخرين.

تشرين … والجرح الذي لم يغلق

خرج شباب العراق في اليوم الأول من تشرين الأول عام2019 الى الشوارع مطالبين بوطن افضل ودولة أكثر عدلا وفرص عمل وخدمات ومحاربة الفساد واستعادة القرار الوطني، مظاهرات سلمية رفع خلالها العلم العراقي وحده،الا انها جوبهت بالقمع وقتل اكثر من 800 متظاهرا والاف الجرحى ،وبقيت قضية المسؤولين عن القتل والاغتيالات والقمع، من اكثر الملفات ايلاما في الذاكرة العراقية

لقد وثقت منظمات حقوقية دولية، بينها هيومان رايس وتش ومنظمة العفو الدولية، وقوع انتهاكات وقتل بالمئات وجرحى بالإلاف واستخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين، كما وثقت منظمة العفو استخدام قنابل غاز مسيل للدموع إيرانية الصنع ضمن الذخائر التي استُخدمت ضد المحتجين. وتعرض المئات من المتظاهرين للقتل والاصابة بجروح بالغة، وقد وصفت الجهات الرسمية في حينها فاعليها (بالطرف الثالث). واليوم تعود القضية الى الواجهة من جديد.. فقد أعاد تصريح حديث لرئيس منظمة بدر هادي العامري، الجدل حول الدور الذي قامت به الفصائل المسلحة خلال تلك الأحداث، وذهب سياسيون وناشطون إلى المطالبة بالتحقيق في دلالات التصريح ومسؤوليات الجهات التي شاركت في مواجهة الاحتجاجات، اذ ان التصريح إقرار علني بمشاركة الفصائل المسلحة في مواجهة المتظاهرين وقتلهم، ومن حق العراقيين أن يسألوا ماذا حدث في تشرين؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن حمل السلاح؟ ومن قتل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ فالدول لا تبنى بأغلاق الملفات، وأنما بمواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. وحين تصبح ارض العراق ساحة لحروب الاخرين ولعل التساؤل الأكثر الحاحا اليوم هو ما يحدث عندما تدخل إيران في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.. فقد شهد العراق في السنوات الأخيرة هجمات نفذتها فصائل عراقية مسلحة مرتبطة بإيران ضد أهداف أمريكية أو أهداف مرتبطة بالصراع الإقليمي، كما تعرضت أهداف في دول عربية مجاورة لهجمات قالت حكوماتها إن مصدرها أو مسارها ارتبط بالأراضي العراقية.. وفي عام 2026، أعلنت الحكومة العراقية أكثر من مرة رفضها استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية كمنصة لشن هجمات على دول أخرى، وأعلنت فتح تحقيقات في اتهامات تتعلق بإطلاق طائرات مسيرة من الأراضي العراقية باتجاه أهداف في دول عربية.

كما شهد العراق ضربات استهدفت مواقع لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، بما جعل الأراضي العراقية نفسها ساحة مباشرة للصراع الإقليمي..

وهنا لا بد ان نسأل أين مصلحة العراق؟

عندما تطلق جهة عراقية صواريخ أو مسيرات من الأراضي العراقية دفاعاً عن طرف خارجي، ثم يتعرض العراق أو منشآته أو مدنه للرد، من يتحمل المسؤولية؟ ومن يقرر أن العراق دخل الحرب؟ ومن يحمي العراقيين إذا أصبحت مدنهم أهدافاً للردود العسكرية وأين تقف المؤسسة العسكرية العراقية؟ وأين يقف قرار الدولة؟ هذه ليست أسئلة عدائية تجاه إيران، ولا تجاه أي دولة أخرى لا لإيران...ولا لأمريكا...بل للعراق أولا، من حق العراق ان تكون له علاقات استراتيجية مع إيران، ومن حقه أيضاً أن تكون له علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا وأوروبا وسائر دول العالم.

لكن ليس من حق أي دولة أن تطلب من العراق أن يكون جزءاً من حربها، وليس من حق أي فصيل عراقي أن يقرر بالنيابة عن الدولة أن العراق في حرب مع هذه الدولة أو تلك. إذا كانت إيران في حرب مع الولايات المتحدة، فهذه حرب إيران. وإذا كانت الولايات المتحدة في صراع مع إيران، فهذا صراعها.

أما العراق، فيجب أن تكون له القدرة على اختيار موقفه وفقاً لمصلحته الوطنية، لا وفقاً لمصلحة هذا لمحور أو ذاك، وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج السياسي. السياسي. ليس في العراق ما يمنع المواطن من أن يحب إيران، أو تركيا،او الولايات المتحدة الامريكية  أو أي بلد آخر ولا احد يستطيع ان يصادر مشاعر الانسان تجاه الشعوب والثقافات والتاريخ والجوار،لكن هناك فرقا كبيرا بين الحب وبين الولاء السياسي ،وعندما يتعلق الامر بالسيادة العراقية يجب ان يكون ولاءه للعراق ،هذه ليست دعوة إلى القطيعة إنها دعوة إلى ترتيب الأولويات، العراق لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات عن السيادة بقدر ما يحتاج إلى ممارسة السيادة ،ولا يحتاج إلى المزيد من الحديث عن الدولة بقدر ما يحتاج الى دولة قوية ..دولة يكون فيها الجيش جيش الدولة، والأمن أمن الدولة، والسلاح سلاح الدولة، وقرار الحرب والسلم قرار الدولة. دولة لا تسمح لفصيل، مهما كان اسمه أو تاريخه أو شعبيته، أن يقرر مصير ملايين العراقيين. ودولة لا تسمح أيضاً لقوة أجنبية بأن تجعل العراق ساحة لتصفية حساباتها فكما لا نريد أن يكون العراق ساحة نفوذ لإيران، لا نريده ساحة نفوذ لأمريكا، ولا لأي قوة إقليمية أو دولية أخرى، العراق ليس ورقة في لعبة الآخرين                   

العراق بلد كامل السيادة، وله الحق في أن يختار الوطن فوق الجميع قد تختلف الأحزاب وقد تختلف الطوائف وقد تختلف المذاهب وقد تختلف المرجعيات. وقد تختلف المواقف من إيران ومن أمريكا ومن تركيا ومن الدول العربية، لكن هناك نقطة واحدة ينبغي ألا تكون موضع خلاف، العراق أولاً.

 فالطائفة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الوطن، والحزب لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، والمرجعية السياسية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدستور، والعلاقة مع دولة أجنبية لا يمكن أن تكون بديلاً عن المواطنة والسلاح لا يمكن ان يكون بديلا عن القانون.                                                   

وإذا كان العراق يريد أن يخرج من دائرة الحروب والأزمات، فعليه أن يستعيد حقه في أن يكون صاحب قراره. ربما يأتي اليوم الذي يُسأل فيه العراقي سؤالاً بسيطاً، لكنه أصعب الأسئلة: إذا تعارضت مصلحة العراق مع مصلحة أي دولة أخرى، أين تقف؟ لا يحتاج السؤال الى إجابة طائفية ولا قومية ولا حزبية ولا أيديولوجية، انه يحتاج الى إجابة وطنية فقط، فالوطن لا يطلب من أبنائه ان يكرهوا الاخرين لا يطلب منهم ان يقطعوا علاقاتهم بجيرانهم ولا يطلب منهم ان يعيشوا في عزلة عن العالم ،الوطن يطلب شيئا واحدا ان يكون هو الأول عندما تأتي لحظة الاختيار.

فإذا كان العراق هو الوطن، فإن الدفاع عنه لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بأن نضع مصلحته فوق كل اعتبار.   ويبقى السؤال الأكبر، الذي لا يحتاج إلى إجابة من حزب أو فصيل أو طائفة، وإنما من كل عراقي هل انت مع العراق عنما يكون العراق وحده؟                                                 

ليس المطلوب من العراقي أن يكره إيران، ولا أن يكره أمريكا، ولا أن يكره أي شعب آخر المطلوب فقط… ألا يحبها أكثر من العراق.

                                                                                                

 

 


مشاهدات 43
أضيف 2026/09/07 - 10:13 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 11:23 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1692 الشهر 11809 الكلي 16544329
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير