شهادة من غرف العمليات.. عندما واجهت جدول قطع الأذن في مستشفى اليرموك
ريسان الفياض
هناك أحداث يعيشها الإنسان ثم تمضي الأيام، لكنه لا يستطيع أن ينساها مهما طال به العمر .
ومن بين أكثر الذكريات التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، حادثة عشتها طبيباً جراحاً في تسعينيات القرن الماضي، حين وجدنا أنفسنا أمام واقع مؤلم يتعارض بصورة صارخة مع جوهر مهنتنا ورسالتها الإنسانية.
في عام 1994، صدر قرار يقضي بقطع صيوان أذن
المتخلفين عن الخدمة العسكرية،
ولم يبقَ القرار مجرد أمر إداري، بل دخل إلى المستشفيات وغرف العمليات، حتى أصبح هناك جدول رسمي يتناوب عليه الأطباء الجراحون من مختلف الاختصاصات، وكان يُعرف آنذاك، بكل ما يحمله الاسم من قسوة، بـ «جدول قطع الأذن».
في يوم لم يكن من المفترض أن أكون فيه :
في أحد الأيام، كانت الخفارة المخصصة لهذا الأمر من نصيب زميلي وصديقي العزيز الأستاذ الدكتور محمد طالب الحسني رحمه الله .
وبما أنني كنت يومها الجراح الخفر للجراحة العامة في مستشفى اليرموك التعليمي، حيث كنت أعمل ضمن ملاك كلية الطب وأدرّس مادة الجراحة، طلب مني الزميل أن أتولى المهمة نيابة عنه .
وافقت على مضض، وكنت أعتقد أن الأمر سيمرّ بهدوء، خصوصاً أن المستشفى لم تُحال إليه مثل هذه الحالات منذ فترة طويلة.
لكن ما إن استلمت الخفارة حتى وجدت نفسي أمام واقع مختلف تماماً
تنفيذ قرار
كانت هناك ست حالات من الشباب قد أُحيلوا إلى المستشفى لتنفيذ القرار بحقهم، وكانوا محاطين
بعدد من رجال الأمن داخل المستشفى.
كان المشهد ثقيلاً على النفس.
شباب في مقتبل العمر، يقفون أمام عقوبة ستترك أثراً دائماً في أجسادهم ووجوههم وحياتهم، و ما سترتب على ذلك من معانات نفسية و بدنية ، ليس بسبب مرض أو ضرورة طبية، وإنما تنفيذاً لأمر لا علاقة له بالطب ولا بالعلاج.
في تلك اللحظة وجدت نفسي أمام صراع داخلي لا يمكن وصفه بسهولة.
أنا طبيب، وقد اخترت هذه المهنة لأحافظ على حياة الإنسان وجسده، لا لأكون أداة في تشويهه.
وكان عليّ أن أقرر ………….
عندما يتحدث الضمير :
لم أجد في داخلي إلا قراراً واحداً.
((( لن أقطع أذن إنسان )))
كنت أعرف أن قراري قد يعرّضني للعواقب، ربما اعدام اوعلى الاقل قطع اذن او اكثر او سجن .
وأن رجال الأمن موجودون في المستشفى، وأن رفض تنفيذ الأمر لم يكن أمراً بسيطاً في ذلك الزمن.
لكنني توكلت على الله، ووضعت ضميري المهني والإنساني أمام عيني.
أدخلت الشباب إلى غرفة العمليات واحداً تلو الآخر.
وكنت، بدلاً من استئصال صيوان الأذن، أزيل جزءاً بسيطاً جداً من الجلد خلف الأذن، بحيث يلتئم الجرح لاحقاً ولا يترك أثراً يُذكر، بينما تبقى الأذن نفسها سليمة.
وبعد كل عملية، كنت ألفّ الأذن والرأس بضماد كبير، وأترك عليه آثار الدم، حتى يبدو لمن ينتظر في الخارج أن العملية التي أُمرنا بإجرائها قد نُفذت كما هو مطلوب.
لم يكن الأمر بطولة، ولا كنت أرى نفسي بطلاً.
كان ببساطة محاولة لإنقاذ إنسان من أذى لا ضرورة له، والتمسك بما كنت أؤمن به كطبيب احمل رسالة انسانية و قسم لا يمكن الحِنْث به .
حين يكون الطبيب أمام امتحان حقيقي :
أحياناً لا يُختبر الطبيب في معرفته الطبية فقط.
قد يأتي الامتحان الحقيقي عندما تتعارض الأوامر مع الضمير، وعندما يصبح تنفيذ التعليمات أسهل بكثير من مقاومتها.
في تلك اللحظة، لا يعود السؤال:
ماذا أستطيع أن أفعل ؟
بل يصبح:
ماذا يجب أن أفعل ؟
وهذه هي المسافة الفاصلة بين ممارسة الطب كمهنة، وممارسته كرسالة.
مرت الأمور بسلام، وانتهت الخفارة دون أن يتعرض الشباب لما كان مقرراً بحقهم، ودون أن يصيبني أذى.
وفي اليوم التالي، أخبرت أخي وصديقي الدكتور محمد طالب الحسني بما فعلته نيابة عنه، فشكرني بحرارة، وانتهى الأمر عند ذلك الحد.
لماذا أروي هذه القصة اليوم ؟
لا أرويها للتفاخر، ولا لأقدم نفسي بطلاً، وإنما لأن بعض الشهادات يجب ألا تضيع مع مرور الزمن.
لقد عشنا في العراق فترات كان فيها الطبيب يجد نفسه أحياناً في مواقف تتجاوز حدود الطب، ويُطلب منه أن يضع يده في أمور لا تمت إلى رسالته بصلة.
انسانية المهنة
ومع ذلك، بقي في غرف العمليات أطباء حاولوا، كلٌّ بقدر استطاعته، أن يحافظوا على إنسانية المهنة.
لقد علّمتني تلك الحادثة أن قسم الطبيب ليس كلمات تُقال يوم التخرج فقط، وإنما موقف يُختبر عندما تصبح المحافظة عليه مكلفة.
فالطبيب قد ينجح في إنقاذ حياة مريض بمهارته، لكنه قد ينجح أيضاً في حماية كرامة إنسان بموقف أخلاقي شجاع.
ولعل أهم ما بقي في ذاكرتي من تلك الحادثة أن الإنسان قد يجد نفسه أحياناً أمام خيارين:
أن يحافظ على سلامته الشخصية،
أو أن يحاول حماية إنسان آخر من الأذى حتى لو ادى ذلك الى اذاه هو شخصياً .وفي مثل تلك اللحظات، يكون الضمير هو غرفة العمليات الحقيقية، وهناك يُختبر الطبيب فعلاً.
تحية لكل طبيب عراقي حافظ، في أصعب الظروف، على إنسانية مهنته وشرف قسمه .
□ عن مجموعة واتساب